أميركا تتجسس على «الأمم المتحدة»

 
بين القصص التي ذكرت في ذكرى مرور خمس سنوات على حرب العراق ثمة حادثة وقعت اثناء التحضير للحرب، وتتعلق بالشابة كاثرين غان التي تعمل مترجمة في قيادة الاتصالات في تشيلتنهام، والتي شهدت على امر فظيع يعتبر تناقضاً صارخاً مع مبادئ الديمقراطية والقانون الدولي.
 
وكانت تأمل ان يتغير مسار الحرب عن طريق الكشف عن هذه الحادثة. ففي يوم الجمعة 13 يناير عام 2003 تلقت غان وعدد من زملائها طلباً من حكومة الولايات المتحدة من اجل زيادة العمل الاستخباراتي في الامم المتحدة، حيث كانت واشنطن تطلب تعزيز التجسس على مقرات الامم المتحدة في نيويورك، للمساعدة على اقناع مجلس الامن الدولي لمنح موافقته على الحرب، اي منح المجتمع الدولي التخويل من اجل الحرب.
 
واعتقد كثيرون انه دون هذا التخويل ستكون الحرب غير شرعية. ووصل الطلب في رسالة الكترونية «ايميل» باسم يدعى فرانك كوسا، الذي يترأس قسم الاهداف المحلية في وكالة الامن الوطني، وهي الادارة المعادلة لقيادة الاتصالات البريطانية. وذكر الايميل عدداً من الدول المستهدفة في هذه العملية وهي: تشيلي، وباكستان، وغينيا، وأنغولا، والكاميرون، وبلغاريا، وكانت اعضاء غير دائمة في مجلس الامن، وتصويتها مهم لتمرير القرار. وطلب كوسا معرفة ردة فعل هذه الدول على الجدل الدائر حول الحرب، وقال ان هذه المعلومات تساعد صانع القرار الاميركي للتعامل على تحقيق اهدافه. وشعرت غان بالرعب لهذا الطلب لسببين: الاول انه طلب للبحث عن معلومات تمكن بريطانيا، وأميركا من ابتزاز الدبلوماسيين العاملين في نيويورك.
 
والثاني، انها تعتقد ان هذا الطلب يقوض مبدأ الامم المتحدة الداعم للديمقراطية. خلال نهاية الاسبوع قررت غان التحرك فطبعت الرسالة، وأخذتها الى المنزل وقدمتها لصديق من معارضي الحرب، وكان على اتصال بالاعلام، وقدمها الى الصحافي يفون ريدلي الذي اشتهر بأنه الصحافي الذي اسرته حركة طالبان عام 2001، وقدم ريدلي الرسالة لصحيفة «الميرور» التي رفضت نشرها، فقدمها الى «الاوبزرفر». ورغم مشكلة عدم وجود ما يثبت مصدر الرسالة الا ان بيتر بيمونت، مراسل الدفاع في «الاوبزرفر»، قال انها لغة وكالة الامن القومي الاميركية، وقيادة الاتصالات البريطانية. ومع ذلك ظلت الشكوك موجودة، وأشار البعض الى ان ذلك يمكن ان يكون لعبة من المخابرات الروسية. وقال آخرون انها لعبة من المخابرات البريطانية للتخلص من مناوئي الحرب في قيادة الاتصالات.
 
وبعد ذلك تأكد مراسل الصحيفة في واشنطن من مصدر الايميل. وفي الثاني من مارس 2003 نشرت «الاوبزرفر» حكاية الالعاب الاميركية القذرة في الامم المتحدة. وانتشرت القصة في جميع انحاء العالم، وأثارت غضب تشيلي التي تذكرت ألعاب واشنطن القذرة في سبعينات القرن الماضي. وأعربت دول اخرى عن غضبها، ولكنها لم تجرؤ على الافصاح عن اي شيء خوفاً من الولايات المتحدة. ولكن كان واضحاً ان قرار الحرب لن يصدر.. وهذا ما كانت تأمله كاثرين.
 
وبعد يومين من نشر الحكاية تم القبض على كاثرين بموجب قانون الاسرار الرسمية. وبعد نحو عام تمت محاكمتها لنشرها تلك الوثيقة. ولكن المدعي العام لورد غوولسميث المؤيد لبلير، تراجع عن محاكمتها وأعلن عن براءتها في اللحظة الاخيرة. ولكن ما الذي كسبته بفعلتها؟ في الحقيقة فشلت في ايقاف الحرب التي كلفت الان آلاف الارواح. وخسرت عملها كمترجمة، ولكنها لا تزال اول من كشف عن حقيقة الاكاذيب والالعاب القذرة، التي ورطت العالم الى الحرب عام 2003 
.