ساحر السريالية - الإمارات اليوم

ساحر السريالية

قيس الزبيدي

بدأ لويس بونويل حياته الفنية، بإخراج أشهر فيلمين سرياليين في تاريخ السينما العالمية: الأول «كلب أندلسي (1929)» -مع الرسام السريالي سلفادور دالي- ويعد من أكثر الأفلام الطليعية شهرة في تاريخ السينما والثاني «العصر الذهبي (1930)»، الفيلم التحريضي الذي أثار ردود فعل اجتماعية عنيفة ومنع عرضه، لمدة استمرت ربما خمسين عاما.

قبل أن يدخل بونويل في مغامرة فيلمه السريالي الأول، سبق لجيرمين دولاك، منظرة السينما الصرف، أن أخرجت«المحارة والكاهن» ومع أنه فشل فشلا ذريعاً وقابله مشاهدوه السرياليون أنفسهم بالصفير والاستنكار، وجعله، بعدئذ، شعاع فيلم بونويل الباهر يختفي منسيا في الظل، إلا أنه يُعد، تاريخيا، الفيلم السريالي الأول في تاريخ السينما. 

قاد نجاح فيلم «كلب أندلسي»، الذي استمر عرضه مدة ثمانية شهور، إلى دخول بونويل ودالي في مجموعة اندريه بريتون السريالية في باريس، جنبا إلى جنب شعراء مثل لويس اراغون وبنيامين بيريه، ورسامين مثل ماكس ارنست وسينمائيين مثل مان راي.

ولد الفيلم، حسب مذكرات بونويل، من تلاقي حلمين: حلم بونويل، الذي رواه لدالي وحلم دالي، الذي رواه لبونويل، وكان حلم بونويل: غيمة تقطع القمر وموس حلاقة يشق عينا، أما حلم دالي فكان سربا من النمل يملأ راحة يد. 

وقتها سأل دالي: هل نستطيع أن نصنع فيلما، إذا ما انطلقنا من هذين الحلمين؟ اليوم يعد فيلم بونويل العبقري «كلب أندلسي» من الناحية التاريخية بمثابة وثيقة ثورة فن ضد الفن. واليوم أصبحت بنيته السريالية المبتكرة قابلة للقراءة ومفهومة، ولم تعد صور كابوسه المخيفة والمحظورة، تؤثر فينا بالقوة ذاتها، غير ان صورتي «الحلمين»، اللذّين انطلق الفيلم منهما، مازالت، حتى اليوم، تصطدم من يشاهدها: صورة موس الحلاقة وهي تُشطر عين المرأة، على يد الشاب لويس بونويل نفسه، وصورة أسراب النمل وهي تزحف على جرح في راحة يد، ربما هي يد سلفادور دالي.

كتب بونويل الفيلم السريالي الثاني،تقريبا، لوحده، بسبب خلاف سابق مع دالي، جعل تعاونهما سيئا للغاية، ولم يأخذ بونويل من أفكار دالي، سوى فكرة واحدة: رجل يسير في حديقة عامة وهو يضع حجرا فوق رأسه ويمر بجانب تمثال يضع حجرا فوق رأسه !

ساهم الشاعر بول إيلوار في الفيلم بقراءة التعليق بصوته وصور بونويل الشاعر جاك بريفير وهو يمر في أحد الشوارع! وحينما عرض الفيلم في باريس استمر عرضه ستة أيام، وسط إقبال جماهيري حاشد، لكن صاحب عرضه، في الوقت نفسه هجوم واسع من الصحافة اليمينية، كما هاجمت تظاهرة يمينية الصالة وحطمت لوحات المعرض السريالي المقام فيها وألقت بالمتفجرات على الشاشة وكسرت المقاعد.

في تحية بعنوان«من ثائر إلى ثائر» وجهها هنري ميلر لبونويل نقرأ:

 «إن حنانه العظيم وصفاءه الكبير وشعر رؤيته يجبره عن الإفصاح عن ما هو رديء وبغيض وقبيح.. أن تكون  عاقلا مثل«بونويل»، فهذا يعني أنك فوضوي ثائر على السلطة وترمي بالقنابل».

alzubaidi@surfeu.de

طباعة