جدل بلا معنى!

 
في كل مرة ترتفع فيها أسعار البترول تطفو على السطح قضية تحديد الحجم الحقيقي لاحتياطيات الدول المنتجة للنفط، وتتبادل الشركات والحكومات الاتهامات بالكذب والمبالغة والمغالطة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية.

وفي الحقيقة فإن هذا الجدل لا معنى له، لأن احتياطيات البترول يمكن تقديرها ولا يمكن قياسها، والفارق بين القياس والتقدير كالفارق بين الإحساس بوجود الشيء ورؤيته، وهذا ما يجعل الخبراء يقولون إن تحديد حجم الاحتياطيات البترولية فن وليس علما.

وعلى سبيل المثال فإن الجمعية الأميركية للجيولوجيين تطبق منهجا تحفظيا في تقدير الاحتياطيات البترولية ولا تأخذ في حسابها سوى الاحتياطيات الموجودة بالفعل، والتي يمكن استخراجها وفقا للتكنولوجيا المتاحة حاليا، بينما تأخذ جمعية مهندسي البترول الأوروبية بالمنهج الاحتمالي الذي يصنف احتياطيات البترول وفقا لاحتمالات وجودها، وباختصار فإن حجم الاحتياطيات يمكن أن يختلف في كل مرة حسب نوع معايير الحساب المطبقة.

وإضافة إلى ما سبق، يجب أن نأخذ في الحسبان، أن قضية سعر البترول تؤثر بصورة مباشرة في تقدير حجم الاحتياطيات، فعند مستوى سعر معين يصبح جانبا من الاحتياطيات غير مجد للاستخراج من الناحية الاقتصادية، وبالتالي يهمل حسابيا، ولكن عندما ترتفع الأسعار إلى مستوى معين يصبح هذا الجزء مجدياً اقتصاديا ويضاف إلى الاحتياطيات، وبعبارة أدق فإن تقدير الاحتياطيات لا يتحدد  وفقاً للمعايير المطبقة للقياس أو مستوى التكنولوجيا فقط، وإنما وفقا لمستويات الأسعار أيضاً.
 
وفي الواقع فإن الزمان الذي كانت فيه الدول المنتجة صاحبة مصلحة في المبالغة في احتياطياتها قد ولى إلى غير رجعة، وفي كثير من الأحيان قد يكون من مصلحة الدول المنتجة التقليل من حجم احتياطياتها لتقادي الضغوط الخارجية عليها، من أجل زيادة مستويات الإنتاج عن الحدود التي تحقق مصلحتها الوطنية.

وربما كان الاعتقاد بأن الدول المنتجة وبصفة خاصة في منظمة «الأوبك» بحاجة إلى المبالغة في حجم إنتاجها نابعاً من تصور خاطئ مؤداه أن هناك علاقة طردية بين حجم الاحتياطيات وحصص الإنتاج المخصصة للدول الأعضاء، ولكن الواقع يثبت أن هناك بعض الدول التي لا تستطيع الوصول إلى كامل حصتها، بينما توجد دول أخرى تتجاوز حصتها دون زيادة حجم احتياطياتها.

وربما يرى البعض أن الحل قد يكون في إسناد مهمة تقدير الحجم الحقيقي للاحتياطيات البترولية إلى طرف ثالث مستقل، ورغم وجاهة هذا الرأي،فإن حيادية الطرف الثالث فقدت معناها في ظل اعتمادها المطلق على البيانات والتقديرات التي تقدمها الدول المنتجة ذاتها، وهذا يعني ببساطة أن الجدل حول حجم الاحتياطيات سيظل مشتعلا حتى نفاد آخر قطرة من البترول .

 georgefahim_63@hotmail.com