زينب الفلسطينية في عيد الأم - الإمارات اليوم

زينب الفلسطينية في عيد الأم

 
كان لزينب أربعة أولاد، لم يعش أكبرهم إلا 20 عاماً. محمد البكر مات مع شقيقه حسن حينما كانا ذاهبين إلى الورشة التي يعملان فيها في غزة أثناء غارة إسرائيلية استهدفت ناشطاً سياسياً، وعبدالكريم ذهب في عطلة الصيف عند أقاربه في الضفة الغربية فأصيب بعدوى مرضية لم تمهله أياماً فمات أيضاً. يحيى هو آخر أبناء زينب مات قبل أسابيع في المحرقة التي ارتكبها النازيون الجدد في غزة.
 
ولد يحيى غداة اغتيال البطل الفلسطيني يحيى عياش في بيت لاهيا شمال قطاع غزة في الخامس من يناير 1996، فاختارت له أمه هذا الاسم تخليداً لرجل مات دفاعاً عن بلاده، وكان يحيى يتحرك في أحشاء زينب وهي تطل من النافذة وترى أكثر من نصف مليون فلسطيني يخرجون في جنازته، ويهتفون للحياة. لا هدايا لزينب في عيد الأم اليوم، لا قبلات على تجاعيد الراحتين، وعلى الجبين الحزين، لا أولاد يحضنون ويشاغبون، ويدعون لها بطول العمر.
 
 ليس لزينب اليوم سوى دموع جارحة وحسرات، وكأن الأمومة في القدر الفلسطيني ليست إلا دموعاً وعذابات على من رحلوا ويرحلون.
 
ويرحلون مع كل شمس، هكذا كأن الحياة رمشة عين دامعة. زينب الفلسطينية كان لها مثل كل الأمهات أولاد كبروا بين أحضانها، واشتدوا على نذورها، وعاشوا في فناء بيتها، ولم تنذرهم للموت والفجيعة، ولا شك أنها كانت تبحث لهم بين الفتيات الصغيرات في حيّها عن عرائس حينما يكبرون، وربما أبرمت اتفاقاً شفوياً مع جارتها لتزوج يحيى أو أخاه من إحدى بناتها.
 
زينب اليوم هي كل فلسطينية تليق بها الأمومة والأعياد والهدايا، لكنها الآن وحيدة في غرفتها، إن بقيت لها غرفة، تقلّب صورة محمد وهو في الصف الأول، أو صورة حسن رافعاً إشارة النصر في وجه هزيمة لا تنتهي، وموت لا ينتهي، وربما هذه صورة عبدالكريم وهو يهتف في تظاهرة، وفي كل صورة يجرح الموت قلباً أنهكته الأيام، ولم تدع فيه الفجائع أملاً ولا مسرة.
 
الأمهات الفلسطينيات في حداد طويل، وعيد الأم الذي يعبر اليوم في البيوت والقلوب لا يعني لكثيرات منهن سوى يوم آخر للألم والنشيج على أطفال وفتية وشباب تؤرخ أسماؤهم في سجلات الشهداء، ولا أحد يأبه بعد انتهاء الهتاف والعزاء.
 
الأطفال يموتون في كل مكان، يودي بهم المرض أو حوادث السيارات، أو نكبات الزمان، لكنهم في فلسطين، وربما في فلسطين وحدها يموتون في قصة متكررة، والقتلة أشباه، والأسباب واحدة. في كل بيت فلسطيني صور على الجدران تؤرّخ مأساةً يتلذذ الآخرون بالكتابة عنها، ويتسابقون إلى توثيقها.
 
المشهد يتلو المشهد، والأمهات تحوّلن مادة لاستدرار عواطف «السادة المشاهدين» على الفضائيات العربية، حيث دائماً ثمة قصة موت طفل، وأم تتذكر، والكاميرا تقف عند دمعة تهطل وئيداً مع مؤثرات لصوت ناي بعيد.
طباعة