أمهات لم يشعرن بالأمومة

يندفع الشعور بالأمومة الى قلب الأم منذ لحظات الحمل الاولى، فتشعر بطفلها قبل ان يتحرك في احشائها، تدلله وتغني له، وتنتظره، كما لو أنها تعد التسعة اشهر يوما بيوم، تبصره بقلبها قبل ان تبصره بعينيها، وعلى الرغم من الصعاب النفسية والجسدية، التي تعانيها المرأة خلال فترة الحمل،

الا انها تبقى مرحلة مميزة بالنسبة لها، تشعرها بالسعادة، رغم طول فترة الانتظار، هذه المشاعر تعتبر مشاعر طبيعية تشعر بها معظم الأمهات، الا ان المفارقة تكمن لدى بعض اللواتي لا يختبرن الامومة بعد الوضع، عل الرغم من شعورهن بها اثناء فترة الحمل اليوم،

والعالم يقيم احتفاله السنوي بعيد الأم، تطرح «الإمارات اليوم» سؤال الأمومة من زاوية غير تقليدية، ومن تجارب أمهات لم يختبرن جيداً هذا الاحساس.  

شعور ضائع
 لم تشعر (سيرين. م)، التي وضعت طفلها بعملية قيصرية ان الطفل الذي ولد هو ابنها. وتقول «كانت العملية صعبة جدا، وآلامها كثيرة، وكان طفلي بحاجة لأن يوضع في الحاضنة بسبب مشكلات صحية عانى منها منذ الولادة، وهذا ما دفع الممرضات الى اخذه منذ اللحظة الاولى،

فلم اره الا بعد مرور 24 ساعة على الولادة»، ولا تنفي سيرين ان شعورها هذا كان يزعجها، فتقول «لم اشعر في اليوم التالي أني بحاجة الى رؤية الطفل، ولكني كنت اسأل عنه باستمرار الطبيب المعالج وكذلك اسأل زوجي الذي شعر بأبوته منذ اللحظة الاولى».

أما في ما يتعلق بمرحلة الحمل فتؤكد سيرين انها كانت مرحلة طبيعية عاشتها كأي امرأة تنتظر مولودها بفارغ الصبر، وتقول «لم أشعر يوما انه سيكون هذا وضعي بعد الولادة، فقد عشت مرحلة حمل عادية تخللها جميع ما تمر به الأم من مشاعر الضغط النفسي، والتقلبات المزاجية بسبب التبدل الجسماني،

وكذلك بسبب الآلام الكثيرة التي تعرضت لها، فعلى الرغم من اني كنت اشعر خلال الحمل اني لست على حالتي الطبيعية وهذا كان يزعجني، الا انني كنت اشعر بفرح غامر حين كان ابني يتحرك في احشائي، وكذلك كنت استمتع بغنائي له، والتحدث اليه والتواصل معه».

وتستدرك سيرين قائلة، «لم تستمر هذه الفترة لمدة طويلة فبعد مرور اسابيع وقبل مرور الشهر الاول بعد الوضع بدأت اشعر بابني، لا سيما بعد الارضاع الذي اعتبره من اسعد اللحظات التي عشتها بعد الولادة»،

ولكنها تتابع دون ان تنسى دور زوجها، «شعور زوجي المفعم بالأبوة، ساندني وشكل الداعم الاساسي لي للتعاطي مع هذه المرحلة، وتخطيها للوصول الى الشعور بأرقى وأسمى معاني الحياة وهو الشعور بالأمومة».
 
فرصة تأقلم
 أما (م.ع) التي أنجبت طفلها الاول في عمر الـ27 عاما، فقد شاطرت سيرين الرأي، كونها عاشت تجربة مشابهة من حيث الولادة، «فقد كانت ولادتي قيصرية، ولا اعتقد انه سهل على المرأة ان تضع طفلها ولا تراه في اللحظة نفسها»،

وأضافت قائلة «اشعر ان الاحساس بالامومة يحتاج الى وقت ولا يولد في اللحظة نفسها، لذا تداركت الموضوع وأعطيت نفسي فرصة التأقلم مع وضعي الجديد لأتمكن من الاستمتاع بوجود طفلي حتى اعتدت عليه تدريجيا ولا اعتقد اني اليوم أختلف عن غيري من الامهات». مشاعر مختلفة مقابل تجارب الولادة القيصرية،

كانت تجربة (منى.ع)، وهي ام لطفلين، مختلفة تماما، وتشرحها لنا قائلة «وضعت طفليّ عبر ولادتين طبيعيتين، ولم أختبر المشاعر نفسها في الولادتين؛ فطفلي الاول رأيته مباشرة بعد الوضع وحتى قبل ان تغسله الممرضات، فتسللت الى قلبي مشاعر اختلطت فيها السعادة مع الدهشة، فهذا الطفل هو جزء مني، انه ابني»،

وتتابع وصف مشاعرها قائلة، «لا اعتقد ان هذه الفرحة يمكن ان توصف، فقد شعرت ان حبي لطفلي زُرِع في قلبي منذ هذه اللحظة، لكن الشعور نفسه لم اختبره مع طفلي الثاني على الرغم من ان الولادة كانت طبيعية ايضا»، وتوضح ما اعتراها من مشاعر،

«كانت ولادتي لابني الثاني صعبة وكنت متعبة جدا، لدرجة اني غفوت مباشرة بعد الوضع، ولم أر ابني الا بعد ان استيقظت بساعات، وهذا اثر على حبي له، ولا يمكن القول اني لم أنجذب له او لم اشعر به، ولكني متأكدة ان مشاعري كانت مختلفة عن المشاعر التي اختبرتها مع ابني الاول»،

وتؤكد منى ان الاختلاف الذي لاحظته في المشاعر اثناء الولادة، مازال مستمرا معها الى اليوم، «مازلت اشعر ان هناك فرقا بين ابني الاثنين، وهو ليس بالفارق الكبير ولكني اشعر به».

استجابة عاطفية
ويؤكد  الطبيب الاستشاري في الطب النفسي علي الحرجاني «ان الحالات الطبيعية تؤكد التجاوب العاطفي لكل امرأة مع المولود الجديد، لذا إن انعدام الجانب العاطفي يشير الى خلل نفسي او عقلي لدى الام».

ويشرح لنا طبيعة الامومة قائلا «إن طبيعة الامومة تدفع المرأة الى عيش حالة من الفرحة والاستجابة العاطفية الشديدة مع الطفل المولود حديثا، الا انه لا يمكن نكران وجود بعض الحالات التي ينعدم فيها شعور الاستجابة لدى الام». 

ويعزو الحرجاني هذه الحالات الى أن بعض الامهات «يتعرضن لما يعرف باكتئاب ما بعد الولادة، مما يؤدي الى عدم فرحة الام بالمولود الجديد، او قد تكون المشكلات الأسرية، او الخلافات الزوجية، او شعور الام بأن الطفل يشكل عبئا على العائلة من الامور التي تمنع شعور الام بطفلها»،

لذا فإن المشاعر التي تتسلل الى قلب الام هي «عدم القدرة على توفير الرعاية المادية والاجتماعية السليمة للطفل، فتختلط عليها مشاعر متناقضة تجمع بين فرحة الامومة والحزن الشديد».

ومن الحالات الأخرى التي تصيب بعض الامهات، «ذهان ما بعد الولادة»، وهو حسب الدكتور حرجاني «عبارة عن اضطراب عقلي يمنع الأم من ادراك البيئة المحيطة، اذ قد تصل الحال ببعضهن الى انكار امومة الطفل.

والذهان يعد احد اشكال الجنون، لذا يجب التعاطي معه على انه مرض عقلي يجب ان يعالج مع الطبيب النفسي الذي من شأنه ان يساعد الام على تجاوز محنتها».

اما لجهة تأثير الولادة القيصرية في شعور الام بطفلها، فأكد الحرجاني ان «الدراسات لم تشر الى وجود أثر محدد لذلك، وبخصوص عاطفة الام تجاه ابنها فإن الحالات التي ذكرتها سابقا، قد تشمل حالات الولادة الطبيعية منها والقيصرية». 

الرعاية والمساندة
ولفت الحرجاني الى ان الطفل في هذه الحالة «لن يتمتع بالرعاية العاطفية والجسدية الكاملة والكافية، بسبب ان الأم لن تتمكن من توفيرها بسبب رفضها له»؛ لذا فمن واجب الأم هنا «ان تقوم بجهود اضافية كي  توفر الجو الأسري السليم للطفل، كي لا يشعر بتقصيرها».
 
اما المساندة الحقيقية التي تساعد المرأة على تخطي الوضع، فلا تكمن في العلاج النفسي الذي قد تحتاجه بعض الحالات، فقط، اذ أن «للزوج دورا مهما» فوفقا للحرجاني، «يلعب الزوج دورا كبيرا في تذليل المشكلات التي قد تتعرض لها الام، فهو القادر على الوقوف جنبها ومساندتها»،

ونصح الحرجاني «الام بالنظر الى الجوانب الايجابية من حياتها مع طفلها الجديد، وليس التفكير بالجوانب السلبية، فهذا يساعدها على تخطي مشاعر الاكتئاب»
.
مدة النفاس
 تمر النساء بعد الوضع بمرحلة صعبة جسديا ونفسيا، وتعرف هذه المرحلة بفترة النفاس وتدوم  40 يوما، ولكن عددا من الاطباء النفسيين والاطباء الاختصاصين في الولادة أجمعوا على ان هذه المدة غير ثابتة، وقد تطول او تقصر اوتختلف من امرأة لأخرى ولا تعتبر المشكلات الجسدية التي تواجهها المرأة هي الأبرز في هذه المرحلة،
فقد تعاني المرأة من الاكتئاب الذي يتجلى في اكثر من مظهر منها الإحساس بالحزن والكآبة، وتقلب المزاج، والتوتر والقلق، وسرعة البكاء، وصعوبة في التركيز والأرق، وضعف الشهية، والاحساس بآلام متفرقة في انحاء الجسم، بالاضافة الى خوف الام من عدم قدرتها على الارضاع في الايام الثلاثة الاولى بحيث تعتقد الكثيرات انهن غير قادرات على الارضاع،
 
على الرغم من ان حليب الام لا يدر الا بعد ثلاثة ايام من الولادة، حيث إن المادة التي يرضعها الطفل في هذه المرحلة هي عبارة عن مادة صمغية تساعده في تكوين المناعة.