«كنوز من السودان» رحلة في الأثر والتأثير


يُعتبر معرض «كنوز من السودان» الذي تستضيفه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث ويستمر لغاية 8 يونيو المقبل شاهداً على حياة الإنسان وتطوره في منطقة السودان منذ 200 ألف عام، فالقطع المعروضة تلقي الضوء على التنوع الحضاري الواسع الذي شهده السودان، ومن خلاله يمكن للزائر ان يلمس مدى تأثير الحضارة الإفريقية في الحضارة السودانية، وكذلك الأثر الفرعوني، وأثر السودان في حضارات وثقافات زامنته وجاورته.


يضم المعرض أكثر من «300» قطعة أثرية تُمثل حضارة السودان ويتراوح تاريخها بين أقدم العصور التي شهدت ظهور المجتمع البشري في وادي النيل وحتى العصر الإسلامي، وتتنوع بين تماثيل ملكية ضخمة، مجوهرات ذهبية دقيقة الصنع، أوانٍ وقوارير خزفية، لوحات من الأحجار الرملية والجرانيت.


وهي تمثل مجموعة مختارة من مقتنيات متحف السودان القومي في الخرطوم، وتعكس هذه المجموعة التراث الأثري الغني للسودان، كما تغطي الحضارات المتعاقبة التي شيدت على أراضيه، وتبرز السمات والمنجزات الحضارية للشعوب المتعددة التي عاصرتها، ويتراوح تاريخ المعروضات بين 8500 قبل الميلاد والقرن 19 الميلادي،
 
والعديد منها عبارة عن مكتشفات عثر عليها  في الأعوام القليلة الماضية نتيجة للأبحاث وأعمال التنقيب التي لاتزال جارية في المنطقة، وغالبيتها لم يسبق عرضه خارج السودان إلا في معرض المتحف البريطاني عام 2004، وبعضها يُعرض للمرة الاولى.


عصور متعددة
يقدم المعرض نماذج من المكتشفات الأثرية التي تمثل العصر الحجري القديم منذ بداياته، وحتى نهاياته التي شهدت ظهور الفخار الذي غدا في ما بعد أكثر المواد المكتشفة شيوعاً في المواقع الأثرية السودانية. كما تُعرَض قطع تمثل أوجه النشاط البشري خلال العصر الحجري الوسيط والحديث، وتتمثل بنماذج مختلفة من اللقى الأثرية التي اكتشفت في المقابر والتي تمايزت لتدل على بداية التقسيم الاجتماعي الطبقي الذي يعتبر الخطوة الأولى في نشأة المجتمعات المتطورة، إذ وجدت مقابر غنية التجهيز، فيها أوانٍ وتماثيل وأمشاط تشير إلى أن أصحابها من علية القوم، وأخرى أقل تجهيزاً وأكثر عدداً وهي قبور الناس الأفقر حالاً.


مملكة كوش
كما يبرز المعرض الأوجه الحضارية المتعددة والمراحل المتنوعه لحضارة مملكة كوش التي يطلق عليها علماء الآثار اسم «حضارة كرمة 2500 - 1500 قبل الميلاد»، نسبة إلى منطقة كرمة، أقدم مركز عمراني في إفريقيا جنوب الصحراء، ويعتبر فخار هذه المنطقة من أفضل ما أنتجه وادي النيل، ويضم المعرض عدداً من الأواني الفخارية والخزفية التي تعود بتاريخها إلى عصر كرمة القديم، والكلاسيكي منها طاس من الفخار بنقوش بارزة، وإناء خزفي للشرب على هيئة زهرة التوليب، ولوحة خزفية لعقرب، وآنية خزفية على هيئة طائر النعامة، هذا، بالإضافة إلى مجموعة من الحُلي التي تدل على الاهتمام الكبير بزينة الجسد في تلك الحضارة، من مثل مشابك شعر مصنوعة من الصدف، وقلادة مصنوعة من البلور الصخري والذهب وغيرها.


 وتشير بعض المعروضات إلى حقبة امتداد الفراعنة في بلاد النوبة التي تمثلت بالأختام والتماثيل، وغيرها من منصات ولوحات نحتت في الحجر الرملي وتحمل جميعها الرموز والكتابة الهيروغليفية، إضافة إلى مجموعة من الحُلي والأواني الخزفية والتماثيل التي تمثل حضارة المملكة الكوشية الثانية، ومن هذه الآثار الفرعونية التي تتصدر مدخل المعرض تمثال جرانيتي للإله آمون ذي رأس كبش،

وتمثال سفنكس «أبو الهول» لسنكانمسكن، وتمثال للملك «امنتحت الثاني»، من حجر المرو، ولوحة من الحجر الرملي لسيتي الاول وأخرى جرانيتية لامنمحات، كما يضم المعرض تمثال من النحاس المسبوك لملك كوشي، وهو أكبر تمثال من النحاس عثر عليه في السودان ولا يعرف له مثيل لغاية الآن.


آثار مسيحية وإسلامية
أيضا العصور الاكثر حداثة لها نصيب من معرضمن «كنوز السودان» فيعرض عدداً من الأختام والكوؤس الفخارية والخزفية، والمصابيح وغيرها من الأدوات التي تعود إلى دنقلا العجوز التي كانت عاصمة مملكة المقرة في العصور الوسطى.


ومن ملامح دخول المسيحية إلى السودان يضم المعرض العديد من منجزات الفن التصويري، وإنتاج وزخرفة الفخار، وغيرها من العناصر الحجرية المنحوتة والتصاوير الجدارية كالتيجان والأختام والتماثيل الصغيرة التي تحمل رموزاً رومانية وغيرها، أما ابرز القطع الاثرية التي يضمها المعرض من الآثار المسيحية فهو عبارة عن تصوير جداري لملكة نوبية في حماية السيدة العذراء،


وتبدو فيه السيدة العذراء وهي تحمل الرضيع يسوع على ذراعها الايسر، بينما يزين جبين الملكة النوبية صليب رقيق يعلن عن ايمانها، ويشير ملبسها الفخم وهي في أوج زينتها الملكية إلى المقام الرفيع الذي تتمتع به.

ومن الحضارة الإسلامية التي انتشرت في المنطقة مع نهاية القرن 15 الميلادي يتضمن المعرض مجموعة من الرموز والمقتنيات الإسلامية الطابع، مثل شاهد قبر من حجر الفلسايت، وهو عبارة عن لوحة جنائزية مكتوبة باللغة العربية (الخط الكوفي)، وسيف من الصلب يعود إلى فترة الفونج ( 1762- 1769) ويعود إلى الناصر محمد أحد الملوك الذين حكموا سلطنة الفونج، وخوذة من الحديد لها بطانة حديدية وتعود إلى الفترة التركية  (1820 - 1881) وأعيد استخدامها في الدولة المهدية (1881- 1898).