«النمرود».. فرجة وتجريب


جاء عرض مسرحية النمرود، أولى عروض الدورة 18 من «أيام الشارقة المسرحية» استمرارا للسياق التاريخي الماثل في واقع العالم العربي، حيث حمل النص الذي تم تناوله من جعبة الماضي كل الدلالات والرموز لشخصية «الطاغية ـ النمرود»، لتعبر عن واقع معيش وقاس جدا. فالمسرحية التي اعتمدت الفرجة في شكلها، أصابت  أهدافها من خلال اعادة قراءة الواقع بأسلوب فني وأداء تمثيلي أبرز من خلاله المخرج المنصف السويسي، طاقات كامنة أبدعت في أدوارها، وقد كثف مخرج العمل ما يقارب الـ 200 شخصية في النص المسرحي الى 30 شخصية حافظ من خلال توزيعه الادوار على عدد من الممثلين، الذين تمكنوا طيلة وقت العرض بأدوات بسيطة، خلصها المخرج في استخدامه المبهر للسينوغرافيا والملابس والأقنعة وقطع الديكور المتحركة . فقد استطاع النص أن يحاكي واقعا صعبا ومريبا ومملوءا بالاستبداد، من خلال رموز وحوار كانا بمنزلة صورة أكثر منها كلاما على خشبة المسرح، فقد أسهم الحوار القليل نسبيا في العديد من المشاهد بتعزيز حكاية المسرحية، الى جانب الرؤية التي غلب عليها التجريب في شكل العرض المسرحي كله.


بابل من جديد
بابل، تلك المدينة التاريخية كانت محور العمل وساحة أحداثه، بقيادة «النمرود» الذي طغى واستكبر وعاث فسادا في الأرض، لتأتي النهاية مقاربة للواقع  في القصة التاريخية لـ«النمرود»، حيث حملت البعوضة الضعيفة كل الدلالات على إنهاء حياة رجل طالما تغطرس واستبد واستكبر، بحسب القصة وزمانها ومكانها، وما ساقته المسرحية عن واقع بابل وتفتت المجتمع إلى 72 جزءا، تحاكي ما يعانيه الشعب العراقي الآن، بل يعانيه كثير من البشر في دول عديدة.


المنصف السويسي، المعروف بقدرته على ادارة مثل هذه النصوص، قاد عمله بنجاح في مختلف مستوياته الفنية، وقسم المسرح وجمعه لمصلحة نص اعتمد على الحوار البصري، أكثر منه الحوار التقليدي، فقد حرك المجاميع على خشبة المسرح مستخدما الفراغ المسرحي وتقنياته، ساعدته في ذلك السينوغرافيا التي رسمها بجماليات أبهرت الحضور.


اما أداء الممثلين الذي حمل كل واحد منهم أكثر من قناع ليؤدي غير دور ومشهد، جسد تماسك النص، وفق أداء تنوع بين مرح وبسيط ومركب، ساعده في ذلك الاستخدام الموسيقى الحية لآلة الفلوت للعازف صقر إدريس دخل الله، والايقاع لسليمان العبد اللات، بحيث شكلت الفواصل الموسيقية اجواء العمل بالكامل الى جانب الازياء التي اخذت بعدا تاريخيا والأقنعة والاكسسوارات بطلا آخر في العرض المسرحي.


شهادة على العصر 
مسرحية «النمرود» وهي الخامسة ضمن سلسلة الاعمال المسرحية التي ألفها صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، والتي بدأها بـ«عودة هولاكو» (1998)، فـ«القضية» (2000)، ثم «الواقع صورة طبق الاصل» (2001)، و«الاسكندر الاكبر عام»(2007)، وقدمتها جميعا فرقة «مسرح الشارقة الوطني». حول العمل قال رئيس «مسرح الشارقة الوطني» الدكتور محمد يوسف علي، هي «حلقة في سلسلة كتابات تسبر أغوار الماضي وصولا الى حالات مشابهة وصور متطابقة مع الحاضر، وربما في المستقبل، فأعمال سموّه تمثل القضايا المصيرية الكبرى في واقعنا». 


مبيّنا أن ما يميز هذا العمل هو «عدم اعتماده على الجمل المطولة في الحوار، ليفسح في  المجال للمعاني والعبر». مشيرا إلى «مشاركة  30 ممثلا قدموا حالات ابداعية متبانية، عبر رؤية مخرج عربي قدير، يعدّ أحد رموز مسرحنا العربي». وأضاف «عمل السويسي  خبيرا للمسرح في الدولة في مطلع الثمانينات، ويحاول في هذا العمل تقديم رؤية اخراجية مغايرة للرؤى التي عمل عليها المخرجان العربيان القديران قاسم محمد، والدكتور أحمد عبدالحليم لمسرحيات سموّ الحاكم الاربع».  أما المخرج المنصف السويسي، فلفت إلى أن «هذه المغامرة الجديدة، تنفرد بنص مبتكر أصيل، لكاتب عربي يطرح للعرض الأول على المستوى العالمي، فلم يسبقني إلى إخراجه غيري، وهذا مبعث اعتزاز وشرف ينالني بفضل أحبتي وعلى رأسهم سموّ حاكم الشارقة».


وأوضح أنه «نص الشهادة على العصر، يطرحه المؤلف، الشاهد على عصره، والذي يخلص المسرح من الكلام الزائد، ليترك المجال الى لغة المسرح ومفرداتها البصرية، محررا المسرح من سطوة الادب». وقال «يجري هذا في ظل دعم راعينا، صاحب السموّ حاكم الشارقة، في الفن بحثا وتجريبا». من جانبه أكد مدير عام دائرة الثقافة والاعلام عبدالله العويس أن هذه التظاهرة الثقافية السنوية الكبرى «تُعيدنا مرة أخرى إلى مرابع فن الفنون، وجواهر المعاني القادمة من الدراما بأبعادها المتنوعة المتعددة».


مؤكدا أن هذا الفن «نال دعماً استثنائياً ومتواصلاً من قبل سموّ حاكم الشارقة، الذي تعلمنا منه ومن سيرة عطائه الإبداعي الزاخر مـعنى الانتماء إلى هذا الفن الرفيع، وكيفية التعاطي مع قابلياته ودلالالته، وكيف يُمكننا استقرء التاريخ وحكمته، والمكان وحيويته، والزمان وأبعاده».
    
فعاليات ثقافية
يصاحب أيام الشارقة المسرحية العديد من الفعاليات، ثقافية ونقدية وإعلامية، يشارك فيها نخبة من المختصين في المجال المسرحي منهم عبدالمحسن علي اسماعيل، وقاسم محمد ابراهيم و مصطفى وعبدالوهاب ياسين وخميس الدايني والمنصف السويسي. 


ومن أبرز محاور الندوات: «الفرق المسرحية بين الهواية والاحتراف». «الفرقة المسرحية المعاصرة ـ الديمومة ـ التفاعل ـ التمايز»،  «الفرق المسرحية المعاصرة والورشة»، «الفرقة المسرحية المعاصرة والثقافة العالمية». «الفرقة المسرحية المعاصرة والمسرح الشعبي الجماهيري»، «الفرق المسرحية المعاصرة توجه ومنهج».  هذا و ينظم خلال «الايام المسرحية» معرض للتصوير الضوئي يتضمن الأعمال المسرحية في الدورة السابقة للمصور محمود بنيان، بالإضافة إلى معرض للإصدارات المسرحية «نصوص مسرحية، دراسات، توثيق، ندوات..الخ »، إلى جانب تكريم الشخصية المسرحية العربية، وزيرة الثقافة المغربيةثريا جبران، وذلك  ضمن الحفل الختامي للأيام .كما تواكب نشرة «الأيام» جميع عروض «أيام الشارقة المسرحية» وفعالياتها.