وتستهترون بدماء الشهداء؟

 
كتّاب السلطة، ليسوا حكراً على ساحة عربية دون أخرى، فهم متشابهو الحبر والأقلام والعبارات والأفكار والتحليلات والنتائج. هؤلاء ليسوا مستوردين كاللحوم النيوزيلندية والأسترالية، التي ينبغي لها الذهاب إلى مختبرات الصحة والجمارك للتحقق من سلامتها.

هؤلاء ولدوا على هذه الأرض العربية، ورضعوا حليب هذه الأرض، واقتاتوا مما تنبته هذه الأرض، وتنفسوا هواء هذه البلاد التي ما إن شبوا عن الطوق حتى كرهوها وأصبحت مقابر في عيونهم لا تستحق الالتفات. 

في بلد عربي تجري صحافية تحقيقاً مع الكتاب حول مقاومة العدو ـ أي عدو ـ ، فيظهر كتاب السلطة أكثر تطهرية من غاندي ومانديلا وآخرين.

يقول أحدهم إنه يكره الأسلحة! يا سلام.. وكأن المواطن العربي لا يفكر إلا في السلاح ليل نهار، ولا يقتات سوى ملح البارود وشطائر الديناميت، ولا يشرب إلا زيت السلاح، ولا يتنفس إلا غاز الخردل! ثم يضيف الكاتب نفسه: لو احتلت بلدي فإنني لن أقاوم الاحتلال، لأنني أكره الأسلحة والقتل! هؤلاء الكتاب ليسوا في حاجة لتقديم أي دليل على صدقهم أو ادعاءاتهم.

هم صادقون حقاً، لأن هذا الكلام مدفوع الأجر. يعني شغل «بزنس».

ولكي يتم إخراج هذا الشغل في صيغة جمالية، يتم حشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتطهرية. وهم في أعماقهم يتلون ألماً لما قاله صاحب الشغل«جورج بوش» حين أكد أنه لو احتلت بلاده فإنه سيحمل السلاح ويقاوم.

كتّاب السلطة أورام تتكاثر في الساحة العربية. وقد وصلت الوقاحة بهم إلى الاستهتار بالمقاومة والتصدي للعدو، والتقليل من قيمة الدم العربي الذي يسفك على أيدي القتلة أسياد هؤلاء الكتاب المأجورين.

فمنذ أن انتهى العدوان الصهيوني على لبنان صيف 2006، وبالرغم من اعتراف العالم كله بهزيمة العدو، وبالرغم من إقرار العدو نفسه بالإخفاقات والتقصير والفشل بعد 33 يوماً من القصف الهستيري، ومحاولات التقدم البري، واحتلال أشبار من الأرض اللبنانية التي دافع عنها بضع مئات من المقاومين..
 
بالرغم من ذلك كله، ومنذ ذلك اليوم، لايزال كتّاب السلطة العربية يملأون الصحف والتلفزيونات زعيقاً يصرّ على هزيمة المقاومة.

أصبح المقياس الآن عدد القتلى والشهداء من الجانبين، وعدد المنازل المدمرة والسيارات التي تكسر زجاجها! هذا تماماً ما يحدث الآن بعد انسحاب القوات الصهيونية من غزة، إثر فشل عملية الشتاء الساخن.

بعض الكتاب الآن يتساءلون: كم جندياً قتلت المقاومة كي نسمي هذا انتصاراً؟ ويقارنون ذلك بعدد الشهداء الفلسطينيين في العملية. ممنوع أن يفكر العربي أن في استطاعة العرب الصمود في معاركهم وحروبهم وصراعهم مع أعدائهم.

وما عليه إلا الاستسلام لثقافة الهزيمة.  طيب، أخبرونا أنتم معنى الانتصار.. معنى واحداً فقط، ونعدكم بالالتزام به، شريطة أن يكون انتصاراً على العدو الحقيقي، وبعيداً عن الطوباوية والتطهرية والهرطقة.

كفى سخفاً وكلاماً ممجوجاً. أنتم لا تحبون السلاح، وأنتم أحرار. ولا أحد يجبر أحداً على حمل السلاح، ولكن، توقفوا عن الاستهتار بدماء الشهداء في لبنان وفلسطين والعراق. عيب!         damra1953@yahoo.com