الشخصية السادية

د. أحمد الإمام

 
كان تشخيص اضطراب الشخصية السادية يعتمد سابقاً على الأعراض المرضية المتعلقة بالانحرافات الجنسية نظراً إلى شكلها الخللي البارز.

يتمحور هذا المرض في الشعور باللذة واستدامة التلذذ بإيذاء وتعذيب الآخر، كما ثبت أن أصل هذا الانحراف النفسي سببه الاندفاع العنيف للتدمير، برغبة جامحة في إبقاء الضحية تحت السيطرة، وقد يأخذ الإيذاء أشكال الإساءة الجسدية بالضرب والجرح أوالسجن والاحتجاز، أو عنف معنوي كالتشهير والقدح والسب والبهتان
.

وأغرب من ذلك اضطراب الشخصية المازوخية التي تتلذذ بتعريض نفسها للأذى والتعذيب، بل الأدهى والأمرّ، هو نشوء علاقة ارتباط اعتمادي بين شخصية السادي الجلاد، بالمازوخي المجلود، وكلاهما يدعم سلوك الطرف الآخر؛
 
حيث يظهر الجلاد بمظهر الراعي الذي يحمي المجلود، كما يرضى المازوخي بكل الإساءة التي يتعرض لها، بل يبرر عقلانياً عدوانية جلاده، وقد يجد أغرب التفسيرات لوحشية هذا الأخير.
 

 يشعر المازوخي بالحاجة للخضوع لسيطرة جلاده والتذلل وتحقير ذاته أمامه؛ ما يمنحه شعوراً عارماً بالرضا، لذلك توصف هذه العلاقة المرضية بالعنف في قفازات حريرية.


 المثال الشهير والمنتشر لهذه العلاقة المرضية، المربي السادي الذي يعذب الطفل ويضطهده ويشعر براحة عصبية عندما يجلد الطفل أو ينكّل به، ويقنع الطفل أن تعذيبه لمصلحته وفائدته، فيتعود بعض الأطفال الذين عندهم استعداد نفسي للخضوع، تقبل ما يتعرضون له، بل قد يعتبرونه ضرورياً للمحافظة على رضا جلادهم، وبالتالي الشعور بالأمان بوجود من يضطهدهم فيمتزج لديهم الألم بالأمان.


يسعى السادي إلى التأثير في الشخص الخاضع لجعله معتمداً على حمايته له وتدمير استقلاليته ليصبح المازوخي ملاحقاً لجلاده ومبرراً له كل تصرفاته التي مهما انحرفت فهي في نظره مقبولة.


يعتبر الشخص السادي معاقاً نفسياً تعرض لبتر عاطفي، والسادية هي إقلاب للإعاقة إلى علاقة مرضية بالتسلط والتحكم والتدخل بإلغاء حق الآخر في الحياة، لجعل الآخر مجرد خاضع، كما أن الشخص السادي قد يصبح مازوخياً والعكس صحيح أوكليهما في آن واحد.


 العيش في بيئات عنيفة تبرر السلوكيات العدوانية تمكن كلتا الشخصيتين من النمو والانتشار بصورة يتقبلها المجتمع. كثيرون شاهدوا أطفالاً تعرضوا للاضطهاد يعاقبون أنفسهم ويوبخون ذواتهم باستعمال الأساليب نفسها التي تعرضوا لها من لدن الراشدين الذين يربونهم، ولكن لا يتوقف اندفاعهم للتدمير العنيف على أنفسهم، بل يفرضونه على زملائهم وأقرانهم، الأمر الذي يزيد من انتشار المرض.

طباعة