فتاة تعاني جفاء مشاعر أسرتها

 أنا فتاة أبحث دائما عن التجدد، تعبت من الحصار الذي فرضه عليّ والدي، عبثاً حاولت أن أتحاور معه، حتى يعلم أنني أحتاج حباً وحناناً، لكنه أوصـــد الأبواب في وجهي، ولذا قررت أن أتمرد على السائد وأقفز فوق أسوار البيت، والمدرســـة أيضاً، وأن تكون لي «شلة» من الصديقــات لنقضي الأوقات معاً ونتخلـــص من همومــنا، لكن سرعان ما جرفني التيار في بحر المشاعر إلى أعمق مما كـــنت أتصور، لأجد نفسي أغرق في بحر متلاطـــم الأمواج، وأنا أجهل فن العوم.   

تواصل سارية حكايتها قائلة: من يصدق أن معظم البنات يعشن في بيوت صامتة؟!،  وأقصد  خالية من الدفء العاطفي، ولا أبالــغ إذا قلت لكم  أنني بمجرد أن كبرت،  بدأت أشعر بالحاجة إلى كلمة حنونـــة من والدي المشغول دائماً، بين عمله وبيوت زوجاته، وأمي التي تأخذها ساعات العمل وعلاقاتها مع صديقاتها منا. 

لذا بدأت أشعر أنني أعيش في دائرة مغلقة داخل بيت زجاجي، دون جدران، لا أشعر فيه بالدفء، وكأنني أعيش مع بشر من جليد، تجمــــدت مشاعرهم منذ زمن، حتى إخـوتي يتجاهـلونني ويشــعرونني باليـتم الحقيقي، ولا يهم الأهل سوى كلمة، هل أكلت جيداً؟، وهل كتبت واجباتك وحفظت دروسك؟، وعلى الرغم من أنني على أبواب الدخول إلى الجامعة.
 
إلا أن أسرتي تعاملني وكأنني كومة من اللحم، دون قلب ينبض أو مشاعر تتفاعل مع الآخرين،  فانتابتني حالة من الحيرة والقلق. إلى الآن لا أعـــرف ما الذي سأدرسه، بعد حصولي على الثانوية العامة، أو حتى الفرق بين تخصـــص وآخر لأن آخر اهتمامات أهلي برغباتي وتوجيــهي نحو الطريق الصحيح.
 
فمن يتصور أنني أعيش في بيت  تختفي فيه مشاعر الحب، حتى أقل أنواع التعبير اللفظي، مثلاً أشتاق أن أسمع من أمي كلمة حب، أو تدلعني قائلة «أحبك يا قطتي» كما أشاهد في السينما والتلفزيون، وهذا يدفعني أحيانا إلى حالات من شغب غير مبرر مع زميلاتي في المدرسة، فنقابل بالقمع، حيث تقف إدارة المدرسة أمامنا دون تقديم أي حلول تقتلع المشكلة من جذورها. 

بدأنا نتبارى أنا ورفيقاتي اللواتي يعانين من تجاهل الأبوين ويعشن ظروفاً مشابهة لظروفي في حالات الشغب، إذ بتنا نتفنن في التعليقات المضحكة، ولكن حين تشدني المشرفة الاجتماعية إلى مكتبها لا أسمع منها سوى التوبيخ، والعقاب وتوجيه الإنذارات، حتى بات هذا الوضع مقلقاً لي.  د

خلت مرة إلى أحد مواقع الانترنت، وتعرفت إلى صديقات من دول خليجية مختلفة، وقد تعاهدنا على أن يكون تعارفنا وتعميق علاقاتنا من خلال الظروف النفسية والاجتماعية التي نعيشها، فكانت الدائرة تزداد يوماً بعد يوم، إذ كنا نعيش ظروفاً متشابهة ونفتقد إلى كلمات الحب، لدرجة أنني كنت على وشك الصراخ لذا قررت أنا وصديقاتي أن نحول بيوتنا وغرفنا إلى حالة من الفوضى.
 
قررنا أن نسمع الموسيقى والأغاني بصوت مرتفع، وأن لا نصحو إلى المدرسة إلا بعد أن نوصل أمهاتنا إلى حالة العصبية، وكنا نتواصل مع بعضنا لكي نتعرف إلى ردود فعل الأهل، هذا الوضع جعل أهلنا في حالة قلق، لذا زاد تذمر أمي، وبدأت تشكـــوني لأبي،  ليشعل الحوار بينهما ألف مشكلة، أبي يقول لأمي أنت السبب، وأمي تقول له أنت دفعتها للتمرد.
 
وعلـــى الرغم من ذلك لم أجد من أمي وأبي سؤالاً واحداً، لماذا تقومين بهذا السلوك؟، تابعت سارية: ازداد تعبي بعد أن رأيت احتدام المشكلات بين أمي وأبي، ولكنني بقيت على الســلوكيات نفـسها رغم معرفتي أنها خطأ، وبـدأت مرحلة جديدة مع صديقـاتي، إذ تغيرت لغــة الحوار بيـننا، وبـدأت تأخذ بعـداً آخر، وبدأت مرحلة أخرى من حياتي، تغـيرت فيها عندي كثير من قناعاتي، مثلاً أن لا أتزوج، فقد نوينا أن ندخل حالة من الفوضى، حتى تراجعت دراستنا، وبتنا حديثاً للآخرين في البيت والمدرسة، هذا الوضع وضعني في لحظة ما أمام سؤال، ما الذي تحققينه من هذا اللعب، ولم أعد أدري هل أنسحب وأعود إلى هدأتي، أم أبقى منزلقة في هذا العالم المليء بالمفاجآت.
 
عالم الانترنت والعلاقات، وشلة الصديقات اللواتي زدنـــني ضياعاً، بعد أن سقطت معهن في بحور التمرد، دون أن أجد من يقدم لي طوق نجاة، ليساعدني على الوصول لشاطئ الأمان، حتى بت منفصلة تماما عن البيت الذي أعيش فيه، لأبقى حتى ساعات متأخرة من الليـــل أمام شاشة الكمبيوتر.

وأنا أنتظر أن تسألني أسرتي لماذا تتصرفين بهذه الطريقة، حتى أصرخ في وجهـــهم جميعاً قائلـــــة «أريد حباً وحناناً» تابعت: يوماً بعد آخر بدأت أراقب نفسي وأسأل، إلى متى أستمر في حالة الضياع التي تحولت إلى إدمان حقيقي للتمرد والشغب، وكيف يمكنني صنع عالم بديل أعثر فيه على الحب والحنان؟.