فضاء عربي


نحن موجودون مثل سائر الأمم في الفضاء المتلفز، ولكن أي وجود؟ في تلفزيون الواقع نستنسخ برامج تنتمي إلى ثقافات ومجتمعات تسبقنا حضارياً بقرون عدة فنقع في أخطاء التقليد وخطاياه، وتظهر على الشاشات وجوه لا تشبه وجوهنا، وواقع لا يتصل بحياتنا اليومية.


 فهنا شاب عربي يجلس بثياب النوم مع فتاة شبه عارية في استوديو واسع ومؤثّث على نمط غربي، ويتجاذبان أحاديث متقطعة عن فوائد النوم المبكر، والإفطار الصحي، ومع ذلك ضحكات وقبلات. الشاب ممنوعُ من الحديث مع الفتيات في بلده، والفتاة تعاني في بلدها ارتفاع ما يسمى بجرائم الشرف.


الشاب والفتاة يعيشان ثقافة أخرى في الاستوديو، والمشاهد في بلديهما يتساءل عن معنى تلفزيون الواقع، فيجد بسهولة انه تلفزيون المتخيل الذي تختلّ فيه مواصفات المكان والزمان والشخوص. 


المشاهد نفسه شاهد النسخة الأجنبية من البرنامج على فضائية عربية، فلم يجد إلا واقعاً حقيقياً يعيشه الشاب والفتاة الأميركيان، ويجد انسجاماً بين الاستوديو والمنزل، وبين الثياب التي يرتديها الأشخاص على الشاشة وفي الشارع، وحتى النقاش أكثر جدوى ونضوجاً، ولكن الفضائيات العربية، ومعها شركات الاتصالات، تريد الاستفادة أكثر فأكثر من التصويت على المتخيّل بأموال أشخاص واقعيين جداً يجلسون في منازلهم ويقترعون من هواتفهم المحمولة مدفوعين بعصبية وطنية، لكي تفوز بلدانهم في الحلقة الأخيرة من وهم عربي خالص.


أما المحتوى والفكرة من وراء ذلك فلا يعني أحداً من المتاجرين بفضاء لا يعنيه من الأرض سوى المتحمسين في منازلهم لدفع الأموال من أجل اللاشيء


.  هذا نموذج من الحضور العربي الزائف في الفضاء، لا يضاهيه إلا حضورنا في نشرات الأخبار والبرامج السياسية، حيث نعرف ما يدور في كل العالم إلا ما يحدث في بلادنا، وحيث يتراكم المسكوت عنه، وتكثر الانحيازات والصراعات، ويكثر معهما الصمت!


لكننا في الأخبار والبرامج نشبه أنفسنا كثيراً، على نقيض تلفزيون الواقع، وإمعاناً في تأكيد هذا التشابه، اجتمع وزراء الإعلام العرب أخيراً في القاهرة لإقرار وثيقة لحراسة الخبر العربي ليبقى قديماً ومنحازاً للعتمة، ومن أجل أن تتحوّل نشرات الأخبار في الفضائيات العربية إلى برامج كوميدية مفرطة في الضحك والبكاء معاً.


أما في الدراما فتلك قصة أخرى لا تقلّ مرارة. فالأمة تعيش في التاريخ، وتستلذّ بمشاهدته والاكتفاء بالتفرج على حاضر تتلقاه ولا تشارك فيه، ولا تجد فيه أبطالاً، ولا مسرات. ما يتبقى من دراما عربية تعرضها الشاشات تعيش أيضاً في المتخيل. دراما عن الحب والزواج والطلاق والصراع على المال، بمضامين تسخر من المشاهد، وتتفنن في هدر وقته.


مثلاً، العائلة المصرية في الدراما مكوّنة من الأب والأم وشاب وفتاة فقط، ما يجعلك تتساءل عن معنى أن يزيد عدد سكان مصر على 70 مليون نسمة، وتتساءل عن حقيقة أن بلاد الشام كلها لاتزال تعيش في حارة، وهل لايزال الخليج لا يعرف غير النزاعات العائلية على المال والزواج؟! هل ينتمي ذلك كله إلى الفضاء برحابته وحريته فعلاً؟   

baselraf@gmail.com