«ما يطلبه المستمعون».. قصيدة حنين لزمن المذياع الجميل

فيلم «ما يطلبه المستمعون» للمخرج السوري عبداللطيف عبدالحميد مدعاة للعودة إلى عام 2003 سنة انتاجه، ما دام قد عرض الخميس الماضي في الجامعة الأميركية بالشارقة، وجعل من ما يطلبه المستمعون، البرنامج الإذاعي الشهير في الإذاعة السورية، بؤرة درامية انطلق من خلالها عبدالحميد لتوثيق الحياة الريفية السورية على أطراف البحر الأبيض المتوسط و«زمن المذياع الجميل» .

حسب تعبير عبدالحميد، ليضاف هذا الفيلم إلى ما عرف بأفلامه الريفية أي «ليالي ابن آوى»، و«رسائل شفهية»، و«قمران وزيتونة»، والتي تقابلها أفلام مدينية التي تتخذ من دمشق مسرحاً لأحداثها، أفلام ماثلة في ذاكرة المشاهد العربي مثل «صعود المطر»، و«نسيم الروح»، وآخر أفلام عبدالحميد «خارج التغطية».

«ما يطلبه المستمعون» هو الفيلم الوحيد الذي لم أكن قد شاهدته لعبدالحميد، حتى إنه أبدى استغرابه من ذلك، واعتقد أني أشاهده للمرة الثانية. أقول ذلك لأؤكد حقيقة المشاعر التي اعترتني لدى مشاهدته، ففيلم «ما يطلبه المستمعون» على شيء من استكمال لتلك الأفلام الريفية سابقة الذكر، لكن مع ضرورة اعتباره أعلى مراحل تجليات عبدالحميد، على صعيد حركة الكاميرا، وجمالية المشاهد التي قدمها، عبر قصة، كما عهدناه في أفلامه الأخرى، تتخذ من البساطة منطلقاً نحو ازدحام أحاسيس ومشاعر تندلع في النهاية.

وبكلمات أخرى، فإن الفرح والضحك الذي يحتل مساحة الفيلم الرئيسة سيمضي بنا إلى الدموع التي تتجمع رويداً رويداً لتندلع غزيرة في النهاية، وهذا ما يمكن اعتباره مشاعري الخاصة لدى مشاهدتي الفيلم. بيت أبو جمال (جمال قبش) الطيب المفتوح أمام الجميع، يلتقي فيه الفلاحون البسطاء والفقراء في القرية للاستماع إلى برنامج «ما يطلبه المستمعون» مع اصرار أبو جمال أن يضيف الجميع شاياً، وبالتالي سماع اهداء تلك الأغاني للأهل والأصدقاء.

وكم تكون سعادة من يخرج اسمه على لسان المذيعة فردوس حيدر، إذ سرعان ما يعلو الفرح ويبدأ المستمعون الدبكة، كما يحدث مع أغنية صباح فخري  «قدك الميّاس يا عمري»، وإلى جانب ذلك تمضي علاقة الحب التي تجمع جمال (ابراهيم عيسى) بعزيزة (ريم علي)، والتي تنتظره ليلاً وقد ربطت خيطاً بشعرها يمتد إلى الشجرة التي يلتقيان عندها، يشد جمال الشجرة فتعرف عزيزة أنه في انتظارها.

تقول عزيزة في لحظة من لحظات غرامها بجمال إنها أهدته أغنية في برنامج «ما يطلبه المستمعون» باسم مستعار، وإلى جانب تلك العلاقة تمضي علاقة وصيفة (ايمان جابر) وصالح (مأمون الخطيب)، وصيفة الخادمة لدى إقطاعي وصالح الذي يعمل في أرضه، وتكون أغنية سميرة توفيق «حاسس بقلبي دقة» مصيرية في تلك العلاقة، فإذا لم تذع تلك الأغنية وإهداء صالح وصيفة، فإنها لن تقبل بأن يلمس صالح شعرة منها أو يتزوجها.

حتى إن أهل القرية يجمعون المال لإرسال المزيد من الرسائل للبرنامج ليقوم بإذاعة تلك الأغنية، الأمر الذي يحدث، لكن يكون الإقطاعي قد طرد صالح، وليجدا -أي وصيفة وصالح- ملجأهما لدى أبو جمال، الذي يقوم بتزويجهما. علاقة أخرى تنسج خيوطها في الفيلم هي بين جمال وسليم (فايز قزق) المعتوه والأخرس الذي يعيش عند أبو جمال أيضاً.

ويقوم بتفجير المفرقعات طوال الوقت، علاقة مفعمة بالفرح والجنون والحب، فعندما يمضي جمال إلى الخدمة العسكرية بعيداً عن قريته مئات الكيلومترات، يصاب سليم بحزن يخمد فيه كل صخبه وضحكه المتواصل. أصل إلى النهاية المؤثرة التي تدعونا لأن نبلل بالدموع، فمع التحاق جمال بالجيش أثناء حرب الاستنزاف بين سورية واسرائيل.

وخضوعه للتدريب العسكري، يسأل جمال قائد كتيبته أن يعطيه إجازة فقط ليرى حبيبته، الأمر الذي يوافق عليه رئيسه، ويعطيه إجازة 16 ساعة، رغم أن الطريق يستغرق منه سبع ساعات ذهاباً، ومثلها إياباً، مستخدماً كل ما يخطر على البال من وسائل نقل من شاحنات صغيرة وكبيرة، وحافلات، ومن ثم الركض، إلى أن يصل إلى شجرة عشقه ويعانق عزيزة، دون أن يجد الوقت الكافي لزيارة أهله، مكتفياً بالمرور قرب الليل صارخاً «اخطبولي عزيزة».

طبعاً هذا يجري بينما يكون أبو جمال وسليم في طريقهما لزيارة جمال في قطعته العسكرية، وفي الوقت الذي يصلان فيه القطعة يكتشفان أنه في إجازة. ينتهي الفيلم بحنكة سينمائية تحمل الكثير من الحزن، فمع اشتداد المعارك، نشاهد جمال على المدفع وهو يطلق النار مع زملائه على الطيران الإسرائيلي.

وفي اللحظة التي يقصف فيها المدفع ويقتل الجنود بمن فيهم جمال، يخرج علينا صوت فردوس حيدر، يحمل إهداء عزيزة لجمال أغنية فيروز «جايبلي سلام»، لقـــطة لدقيقة وصوت فيروز يملأ المدى، والمدفع يــــدور حاملاً جثث الجنود الثلاثة، ومن ثم يكون «السلام» تابوت جمال ملفوفاً بالعلم السوري.