فيلم أشبه بقصيدة متعددة الأصوات

 

بداية وقبل أي شيء، يجب التأكيد أن فيلم «اينتو ذي وايلد» (في البرية) الذي يعرض حالياً في دور العرض المحلية، فيلم رائع، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وعلى شيء ممّا هو متوقع من شون بين، الذي من الصعب أن يخيب التوقعات، لا بل هو موهوب بإضافة شيء من المفاجأة السارة على محبيه وعشاقه، ممثلاً، ومن ثم مخرجاً وكاتب سيناريو، على اعتبار «في البرية» من كتابته وإخراجه ومأخوذ عن كتاب بالعنوان نفسه لجون كراكور.


يمكن التعامل مع فيلم «في البرية» بوصفه قصيدة متعددة الأصوات، قصيدة رعوية إن تعلق الأمر بالطبيعة والالتصاق بها ومحاكاتها على صعيد شخصي، بحيث تقود كريستوفر ماكندليس (ايميل هيرش) شخصية الفيلم الرئيسة إلى أن يكون ملتصقاً ببراءتها وعذريتها، وانجراف أنهارها إلى مصائر معلقة بتقلباتها. قصيدة نفسية عميقة تضيء صراعات كريستوفر، خلاصات أفكاره المعاندة لكل ما اتفق عليه بالبشر واعتبروه «حياة». قصيدة تمرد على تلك الحياة، على المال، على العمل، على كل المراحل التي على كل انسان أن يقطعها ليصل إلى قبره.

 
بطرق مختلفة يضع شون بين قصة كريستوفر أمامنا، الذي يمتلك بامتياز كل مقومات الشاب الناجح الذي انهى جامعته بعلامات ممتازة، والجاهز نظرياً ليمضي في طريق الحياة العملية، إلا أنه «اختار الطريق التي لا يسلكها أحد» كما تقول قصيدة الشاعر الأميركي روبرت فروست، وليتحول إلى تجسيد كامل لقصيدة اللورد بايرون التي يبدأ بها الفيلم «لا أكره البشر، لكنني أحب الطبيعة»، وعليه يقرر التبرع برصيده في البنك لجمعية خيرية، ويحرق ما معه من نقود «كاش»، ويتخلص من سيارته وأهله، ويمضي مشياً على الأقدام من مكان إلى آخر، ومسافراً بالتطفل «هيتش هايكنغ» واضعاً نصب عينيه أن يصل آلاسكا، ومع نهاية الفيلم يكون المشاهد قد أدرك تماماً دوافع هذه الشخصية، نشأتها، آراءها، هوسها بقراءة تولستوي وجاك لندن، قدرته على أن يكون شخصية روائية أكثر منها حقيقية، كون كريستوفر شخصية واقعية يروي الفيلم قصتها كما أوردها كتاب كراكور، إضافة إلى تعرفه إلى عدد من الأشخاص الرائعين في ترحاله الذي يمتد لسنتين، بحيث يتحول هؤلاء الأشخاص إلى عالمه الجديد والوحيد قبل أن ينسلخ عنهم جميعاً رغم تناغمه معهم، أي الثنائي «الهبيز»، والفتاة التي تقع في حبه ولا يبادلها إياه إلا بحذر، والرجل الذي يعمل لديه في حصاد القمح، وذاك العجوز الذي يطلب منه الموافقة على أن يتبناه.

 

«لا تعطني حباً، مالاً، ايماناً، شهرة، عدالة.. أعطني الحقيقة» يمكن لما يرد على لسان كريستوفر أو «المتشرد الخارق» كما يسمي نفسه أن يكون تلخيصاً لما يبحث عنه، ولتكون الحقيقة ماثلة في الآسكا حيث يمضي ثمانية أسابيع بين الثلوج والجبال المعزولة، لا تحيط به إلا الحيوانات التي يقتات على لحمها، منكباً على كتابة يومياته هناك، والخلاصات التي يتوصل إليها.


كل شيء في فيلم «في البرية» مسكون بالنقاء، لا بل بمكن اعتبار كريستوفر على شيئاً من القديسين، وكل شيء كما اعتاد القدر على التعامل مع من مثله، يشير إلى أنه ماضٍ قدماً إلى نهاية مأساوية، طالما أن هذا النمط من البشر تضيق به الحياة.

 

يبقى التنويه مجدداً بأن وقائع الفيلم حقيقية، لا بل إنه مهدى إلى كريستوفر ماكندليس الحقيقي، الذي تظهر صورة حقيقية له في نهاية الفيلم التقطها لنفسه أثناء الفترة التي أمضاها في آلاسكا، كما أن ما حمله الفيلم بصرياً يدعو كل مشاهد للتمتع بحركية المشاهد العالية، والتوظيف المدهش للأغاني التي تمارس دوراً رئيساً في مرافقة أحداث الفيلم.