سوء تفاهم متبادل

 
يقول امبير توايكو في رسالته الخاصة حول تكوين الذوق الرديء، إن إصغاء رجل مثقف بشكل مملّ إلى سمفونية في قاعة موسيقية، قد لا يجعله يحل شفرة كل ما يسمع، لكنه يتلقى الموسيقى كشيء مقدس.
 
وبين ما يقوله توايكو في هذه الجملة المخادعة عن التلقي المقدس.  وما يقال من جمل سريعة غيرها، نرى كيف أن القوة الاخبارية لقصيدة شعرية قد تذهب نحو المتلقي ضمن مستويات متعددة. كأن تكون مسبوقة بالمقدس أو بقضية ساخنة أو بوهج شاعر مكرس أو بحرارة أو برودة قصيدة  تعرج في نطق شاعر ناشئ لم يحظ بعد بما يكمن توصيفه بـ«الشيء المقدس» فراح يبحث جاهدا عمّا يمكن أن يأخذ صفة  «المستمع الكريم» حتى لا يبقى صوته يتردد في البرّ بلا «سميعة»، وعليه فلا عجب إن أصبحت محاولات التقريب بين المتلقي والقصيدة،  شبه علاقة مرتكبة يسهل حذفها بدلا من التفكير في تجسيرها.
 
ومن هنا تبرز معضلة سوء الفهم القائم عند سؤال  المتلقي عن الشعر الآن، ولماذا صاريختزل بشخصية شاعر واحد وبشحنة اتصالية واحدة إلى الحد الذي يعني أن مجرد قطعة مموسقة مخزونة في طرف الذاكرة تستخدم لطرد أي هجوم قد ينال من ثقافة المتلقي أو يدل على جهله بهذا العالم الذي تسمو به الروح ويأخذ دور الوسيط بين المشاعر والكائنات المختلفة.
 
غير أن الشعر ومع وجود بعض الشعراء الذين ضاعوا في المنطقة البيضاء التي تقع بين المرسِل والمستقبِل أصبح مجرد خطة انطوائية تتكوم في الحقائب والأدراج، ليس في العالم العربي فقط، وإنما في العالم وليس في أميركا أم التسارع العصري، بل في فرنسا تحديدًا التي كان قد تعمّق وتنوع فيها اقتراحًا جماليًا، ثم فاض على العالم في القرن الماضي قبل أن يقع أخيرا في براثن الفوضى.
 
قبل عام قدر لي حضور أمسية شعرية فرنسية وكانت المفاجأة أن الجملة في هذه الأمسية الغريبة صارت حرفاً وأن قصيدة  الشاعر الذي  قيل لنا إنه من أبرز شعراء فرنسا قد أخذت من العواء والمواء والثغاء والصهيل والزئير والحفيف، رسالة لها، أما المعنى فلم يكن  للشاعر المصوت أي علاقة به قد تذكر سواء خرج أو ظل محتقناً في بطنه المندفع بالهواء.
 
ثمة سوء فهم متبادل بين المتلقي والشاعر لن يعالجها «الشيء المقدس»، الذي يتحدث عنه توايكو، والحل ربما لن يكون ولن يتكون إلا من خلال العودة الى الإنسان الذي تركناه هناك في القرن الماضي، قبل دخولنا في معمعة الألفية الثالثة أو العالم العصري «الأطرش» بكل ما فيه من برمجيات وآليات لا تتحرك إلا لتخنق الدم في عروق القصيدة والحياة. 

zeyad_alanani@yahoo.com