مـال يـحياوي: لا يمكنني البقاء مــتفرحاً - الإمارات اليوم

مـال يـحياوي: لا يمكنني البقاء مــتفرحاً

 
يرفض الفنان التشكيلي الجزائري كمال يحياوي وصف أعماله بالحزينة أو الكئيبة، بل يصر على أنها تعكس واقعاً حقيقياً يعيشه البشر، من فقر وحروب وظلم ولا مساواة.

خصوصاً أن الغربة والترحال والاستعمار مفردات لعبت دوراً بارزاً في موضوعات أعماله وألوانها، مؤكداً أنها مرارات يتجرعها الانسان.

وعلى الرغم من ذلك، يشعر بالسعادة حين يجد قواسم مشتركة بينه وبين متذوقي الفن.

حاول يحياوي نقل الصورة الواقعية التي عاشها واختبرها، لذلك لم يتمكن أو لم يشأ رسم المناظر الطبيعية والزهور،  في الوقت الذي يرزح فيه البشر تحت وطأة الفقر، خصوصاً أهله ومحيطه، وقال: «لم أكن أرغب في تزيين الواقع وتزييفه كما كان يفعل زملائي في مدرسة الفنون، بل كنت ضد التيار».

مؤكداً أن الفنان يحمل رسالة سامية هي «مساعدة الذين يعانون، وليس الادعاء بأن الحياة تسير على أفضل ما يرام؛ لأنه يصبح متصنعاً»، معبراً عن  كرهه للأغنياء الذين يهنئون برغد العيش، متجاهلين الفقراء - الأقل شأناً وقيمة منهم - في نظرهم».

مؤكداً ضرورة إلغاء فكرة التمييز والعنصرية والفصل بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وعلى الرغم من انزعاجه من هذه الطبقة التي يصفها بالمتصنعة، يعترف بأنه لا يُكن أي ضغينة لأحد، وأن لديه أصدقاء فرنسيين برجوازيين، معتبراً الفن وسيلة  فعالة وإيجابية في سبيل ترسيخ هذه المبادئ.

وفي سياق مشابه، يوضح أنه يحب الرسم فناً وحرفة تدر عليه المال، بالرغم من الحزن الذي تكتنزه أعماله، قال: «أعمالي ليست حزينة أو كئيبة أو متشائمة، بقدر ما هي انعكاس للواقع في العالم، بل أعتبر نفسي مرآةً للواقع»، كما يرى أن رسالة الفنان هي خدمة الناس بعيداً عن الأضواء.

لذلك، لا يمكنه البقاء متفرجاً سلبياً.  إلى ذلك يؤكد يحياويالذي يعيش حالياً في فرنسا والمتزوج من فرنسية، أنه ليس مبدعاً، بل هو فنان فخور بنفسه، يستعمل موهبته وقدراته في الرسم في خلق وابتكار أعمال واقعية، تدق باب القلب عن طريق النظر والعين، لتدخل القلب والأحاسيس والمشاعر.

لم يختبر يحياوي فترة  استعمار بلاده، لكن أجداده قاموا بإيصال معاناته، وقال: «تفيض ذاكرة أهلي بحكايات كثيرة عن الظلم والقتل والعنف الفرنسي تجاه أهل الجزائر»، معتبراً العمران واللغة الفرنسية غنائم حرب استحقوها في نهاية قضيتهم الرابحة. 

الهرب من التقليد
ومن مساوئ الغربة والاستعمار، ابتكر يحياوي عمل «الأجداد يضاعفون الجهود»، وهي عبارة عن حقيبة قديمة جداً تحتوي رسماً يمثل أجداده وأسلافه الذين عانوا وتألموا من جراء الاستعمار الفرنسي ومجموعة من الكتب الصادرة في تلك الحقبة، موضحاً «رسمت أجدادي في قبورهم بالألوان الترابية وهم يتألمون، لأن المعاناة كانت أكبر من أن توصف»،
 
لافتاً إلى أنه قرر جمع الهجرة والاستعمار في إطار واحد على قطعة من حديد، لتكون فكرة خلاقة تضاف إلى رصيده الفني. وفي سياق مشابه، جسد يحياوي الإعدام الظالم للجزائريين في لوحتي «ضحايا الظلم»،  وقال: «أردت السخرية من الإعدام، ولكن بشكل مأساوي وحزين.

ففي اللوحة الأولى يقف عدد من المظلومين أمام جثة، في حين ينتظر اثنان دورهما في الصورة الثانية، فيما تبدو سلسلة من الوجوه وراءهما، والتي تشير إلى الشهداء».

لا يحب يحياوي أن يكون فناناً تقليدياً لذلك يستعمل الأوراق والقماش والخرائط والكتب والملابس والأطباق ومصافي القهوة، وقال «رسمت الباحثين عن الحياة» على قطع من القماش وجمعتها بعد الانتهاء وخطتها لتبدو قطعة واحدة».

الرسم إمضاء اللوحة 
ومن ناحية أخرى، يعتبر يحياوي أن الشعر إمضاء الرسم، مبيناً أنهما عنصران متكاملان، «أكتب الشعر أحياناً بعد انتهائي من رسم لوحة أو تنفيذ عمل فني»، مبيناً أنه لا يستطيع كتابة الشعر عندما يكون هادئاً أو مرتاحاً، بل يحتاج إلى وسيلة للتخفيف من الغضب الكامن في داخله.

وعن التوافق بين الفن والمال، يعترف يحياوي بأنه اتخذ الرسم مهنةً يجني منها قوته وكأنه يضرب عصفورين بحجر واحد، غير أنه يجند فنه لخدمة القضايا الإنسانية، التي تأتي في أولوية أهدافه، في حين لا يحزن على فراق أعماله لثقته بأن الفن ملك لجميع الناس.


 عاش التشكيلي الجزائري كمال يحياوي في منطقة «القصبة» بالعاصمة الجزائرية، أحب الرسم والشعر والغناء منذ صغره.
 
وعندما بلغ السابعة عشر من عمره التحق بمدرسة الفنون الجميلة، ليحقق هدفاً طالما راوده وهو تجنيد فنه لخدمة «القصبة» وإظهار معاناتها وحرمان أبنائها، رافضاً الادعاء والتصنع برسم الزهور والغابات والناس المبتسمين.
طباعة