السوريون يكرهون «السنافر» و«الجرادين»


ليس أمام الموظفين وأصحاب الدخل المحدود، في سورية، إلا الانحشار صباحاً وظهراً «ساعات الذروة» في باصات النقل العام الصغيرة «السرفيس»، التي صارت تحمل الكثير من الألقاب والاسماء تعبيراً عن ضيقهم وكرههم لها، من هذه الألقاب «السنافر» نسبة إلى مسلسل كرتوني للأطفال يسمى «السنافر» وذلك بسبب صغرها واضطرار الآدميين إلى الانحشار داخلها والانحناء أثناء الصعود والنزول، «والسنفور» اسم لطيف مقارنة مع اسم آخر يطلقه بعض السوريين على السرفيس، وهو الجردون (الجرذ).
 
ولكي تكون سعاد مثلاً في مكتبها بوزارة الإدارة المحلية وسط العاصمة السورية دمشق عند الثامنة صباحا، عليها أن تغادر منزلها في السادسة والنصف لكي تحصل على مقعد لها في «السرفيس»، (السنفور)، التي تنقلها عادة من بيتها في ضاحية جرمانا إلى باب توما، ومن ثم لتستقل حافلة أخرى إلى مقر عملها وسط المدينة. وبعد الظهر، تحتاج سعاد إلى ساعة ونصف أخرى للعودة إلى بيتها.
 
وهو وقت طويل جداً بالنسبة لمدينة يمكنك أن تقطعها بسيارتك من أقصاها إلى أقصاها ب10 دقائق فقط في الساعة الثالثة فجراً على سبيل المثال، عندما لا يكون هنالك حركة سير أو مشاة أو إشارات مرور، وإذا كنت تقود سيارتك، يكفيك 20 دقيقة لتنتقل من جرمانا إلى وسط المدينة، في الأوقات العادية، و30 دقيقة في أوقات الذروة.
 
ولكن السرفيس، وهو الاسم الذي يطلقه السوريون على الحافلة الصغيرة التي تتسع 11 أو 14 راكباً وتستخدم على نطاق واسع في النقل العام في دمشق والمدن السورية بصورة عامة، يجعل حياتك قاسية بما فيه الكفاية لتفكر بالعدول عن مشوارك إن لم يكن ضرورياً. ولكن سعاد موظفة، وهي لا تملك خياراً. عليها أن تغادر في وقت الذروة وتعود في وقت الذروة.
 
وكذلك يفعل نحو مليون شخص في دمشق، من عمال ومستخدمين وعسكريين وطلبة وغيرهم من الشرائح الاجتماعية، وهي براتبها الذي لا يزيد كثيراً على 10 آلاف ليرة (نحو 200 دولار أميركي) لا يمكنها استخدام سيارة الأجرة الـ(تاكسي)، ولا يمكنها شراء سيارة خاصة  بالطبع، رغم انخفاض سعر السيارات.
 
ويقول منير، وهو طالب بكلية الحقوق في السنة الثالثة، إن التسمية تعكس «حقد وكره السوريين لهذه الآلة الجهنمية التي لا غنى عنها ولكنها تذلنا في كل يوم»، أما لطيفة، وهي أيضا طالبة جامعية تدرس الأدب الإنجليزي، فتقول إنها «لا تستقل السرفيس إلا مجبرة، والسبب ليس فقط الوقت الذي يأخذه لكي تصل إلى غايتها ولكن أيضاً التحرش الذي تتعرض له في كل مرة تضطر إلى التنقل بالسرفيس»، وتضيفلطيفة «في آخر مرة اضطررت إلى الصراخ طلباً للنجدة، عندما مدَّ رجل في الـ40 يده وراح يلمس ساقي، السائق أوقف الحافلة وطلب من الرجل أن يترجل منها، ولكنني أحسست بالخزي طوال الرحلة، وبعدها» ولكن سعاد، وهي بحدود الـ50 من العمر، لا تشكو من التحرش.
 
همها الساعات الثلاث التي تقضيها في كل يوم، ولها هم آخر هو الموسيقى التي يضعها سائقو الحافلات على أهوائهم، وتقول سعاد إن «كل سائق يختار الأغنيات على هواه، ويرفع الصوت إلى مدى يصم الآذان. سئمت من المغنين «علي الديك وسهام البدوية، وجورج وسوف وثائر العلي، ووفيق حبيب» والحقيقة أن ركاب النقل العام في السرفيس، وحتى في سيارات الأجرة يعانون من هذه القضية. فالسائقون يفرضون مزاجهم الفني (وأحياناً الديني) علىالركاب.
 
ويقول منير بريك، وهو سوري مغترب، عاد إلى دمشق في زيارة بعد غياب 10 سنوات، إنه لاحظ انحدار الذوق الفني عند سائقي السيارات العامة عموماً. ويضيف منير «إنه يتعين على سلطات المدينة أن تفرض على السائقين احترام ذوق زبائنهم. أما فؤاد، وهو سوري متدين، فيرى أن وضع القرآن الكريم في الحافلات هو انتقاص له، فمن غير الممكن الاستماع إلى «الذكر الحكيم والسائق يشفط بسيارته، ويشتم السائقين الآخرين والمارة وعناصر الشرطة بأسوأ الأوصاف».
 
ويضيف فؤاد «أن القرآن يجب أن يوضع دائماً في أماكن تَدبِّر وتأمل وخشوع، وليس الحافلات وسيارات الأجرة المكان المناسب لذلك»، ويلفت فؤاد الانتباه إلى أنه «ربما كان بين الركاب مواطنون مسيحيون أو يهود أو ديانات أخرى، ألا ينبغي احترام رأيهم في ذلك؟»، ويكمل فؤاد: «وماذا عن المقولة التاريخية التي مفادها أن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين؟ وماذا أيضاً عن الناس العلمانيين؟».
 
والأكثر حساسية من ذلك، هو وضع دروس دينية لمشايخ ودعاة سوريين وعرب. ويحتل الشيخ الدمشقي محمد قصب السبق في الحافلات السورية وسيارات الأجرة، والسوريون يعرفون ذلك جيداً ويعرفون اسمه.
 
ويقول أبو ممدوح، وهو سائق سرفيس على خط «المهاجرين -  صناعة» إن الشيخ الدمشقي «يبلسم الجروح». وهو معجب بشكل خاص بصوته المنخفض، وتأثيره الساحر في المستمعين. ولكن الكاتب والناشر، صاحب دار بترا للنشر، لؤي حسن يقول «إن من حق الراكب أن يسأل عما يريد أن يسمع. ويضيف أن الحافلة ليست مسجداً أو كنيسة، ولا يمكن تحويل كل المرافق العامة السورية إلى جوامع وكنائس ومدارس دينية.
 
ولسائقي السرافيس في دمشق سمعة سيئة. وغالباً ما يتفاداهم سائقو السيارات الخاصة، خشية على سياراتهم منهم. والواقع أن معظم سيارات السرفيس تعرضت لحوادث مرورية إثر اصطدامها وطيش سائقيها يميناً وشمالاً ينعطفون دون استخدام الإشارة البرتقالية، كما أن وسائل الأمان فيها شبه معدومة، والإضاءة الأمامية والخلفية غالباً ما تكون مهشمة.
 
ويقول سلام، وهو سائق تاكسي: «كنا نخشى من سائقي السيارات العسكرية ونهرب منهم. الآن سائقو السرافيس أسوأ بكثير وأكثر عدداً. ومن شبه المستحيل تفاديهم»، أما طالب الحقوق منير فيقول «إن سائق السرفيس مستعد لقتل مواطن من أجل خمس ليرات، وهي أجرة نقل الراكب الواحد. ولكن سائقي السرفيس لديهم رأي آخر حيث يقول أبو ممدوح «إن الناس تظلم سائق السرفيس.
 
في الماضي كان السائقون من حثالة الناس، أما الآن فمعظمهم متعلمون»، ويردف أبو ممدوح بلهجة فيها الكثير من الغضب، وبنظرات مشتتة، قائلاً «بيننا أساتذة ومحامون وخريجو جامعات، والأكثرية هم من خريجي المعاهد المتوسطة الذين لا يجدون فرصة عمل فيضطرون للعمل على الخط