ظلم الأرقام! - الإمارات اليوم

ظلم الأرقام!

جورج فهيم

صُدمت مثلما صُدم كثيرون غيري من الترتيب المتدني الذي حصلت عليه الإمارات، التي جاءت في المرتبة الثامنة والستين في مؤشر سهولة أداء الأعمال لعام 2008، الذي يصدره البنك الدولي بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، والذي يقيس سهولة أداء الأعمال في 178 بلدا حول العالم.


  ولكنني سرعان ما أدركت أن الصدمة ليست في محلها لأن المؤشر حسبما يقول واضعوه محدود النطاق للغاية، ولا يعطي الصورة الكاملة للأوضاع الاقتصادية،

وبصفة خاصة ما يتعلق منها بأوضاع الاقتصاد الكلي، وربما كان هذا هو السبب في أن البنك الدولي الذي يتلفح المؤشر بعباءته يقول حرفيا في ديباجة التقديم للمؤشر «انه لا يستطيع أن يضمن دقة المعلومات الواردة فيه». 

ونظرة واحدة على طريقة حساب المؤشر كفيلة بأن تثبت أن الأرقام قد تكون ظالمة، وتخفي من الحقائق أكثر مما تكشف، فالترتيب المتدني الذي حصلت عليه الإمارات لا يتناقض فقط مع الواقع،

وإنما يتناقض أيضا مع غيره من التقارير الدولية  التي أنصفت الإمارات وأعطتها حق قدرها، فلا يعقل أن تجذب الإمارات 19 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2007 بزيادة نسبتها 11% عن العام الماضي،

بينما «جذبت الصين خلال الفترة نفسها 16 مليار دولار فقط، ومع ذلك تأتي الإمارات في المركز الثامن والستين وتأتي الصين في المركز الخمسين».

وربما كان مبعث الخلل في طريقة القياس واحتساب المراتب هو أنها قائمة على نوع وحجم واحد وطبيعة نشاط محددة للشركات، وهي الشركات ذات المسؤولية المحدودة،

وهو نوع واحد فقط من الشركات، وقد لا تكون المشكلات التي يواجهها هذا النوع من المشكلات معبرا عن مشكلات الشركات الأخرى التي تختلف في النوع والحجم وطبيعة النشاط. 

وبعبارة أدق فإن المؤشر يعطي وزنا نسبيا كبيرا لعناصر مثل توافر المعلومات الائتمانية والسماح للنساء بحرية العمل الاقتصادي في الوقت الذي يتجاهل فيه اعتبارات أكثر أهمية لمناخ الأعمال مثل قرب الدولة المعنية من الأسواق الدولية الكبيرة، وتطور مرافق البنية التحتية، والاستقرار السياسي، ومكافحة الفساد والرشاوى.

وبالإضافة إلى ذلك فإن المؤشر يتجاهل حقيقية مهمة، وهي أن طول الوقت اللازم لإنهاء الإجراءات والحصول على التراخيص قد لا يقع بالضرورة على عاتق الجهات الحكومية،
 
وإنما تتحمل مسؤوليته الشركات ذاتها، لأنها لم تتحر الدقة في المعلومات المتعلقة بالمستندات والإجراءات المطلوبة، وبالتالي تسهم دون أن تقصد في إطالة الزمن اللازم للانتهاء منها.

وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن الإمارات يجب أن تتجاهل ما جاء في التقرير لأنه يمثل ـ رغم كل التحفظات ـ أداة مهمة لقياس الأداء الاقتصادي والتعرف الى الحلول التي طورتها الاقتصادات الأخرى للتغلب على  المشكلات التي تواجه مناخ الأعمال، ومن يتوقف عن التعلم من الآخرين يتوقف عن قيادتهم ويسمح لهم بأن يتجاوزوه.    

georgefahim_63@hotmail.com
طباعة