سأنتقم منك يا إسماعيل


لعلكم تذكرون صاحبنا الهولندي العجوز الظريف، توماس، الذي غيرتُ اسمه إلى اسماعيل، وتناولتُ بعض طرائفه في مقالين سابقين في عمود «مرافئ»؛ ومنذ ذلك الحين واسماعيل يتابع مقالاتي وموضوعات صحيفة «الإمارات اليوم» يومياً عبر موقعها الإلكتروني، فهو خبير في اللغة العربية ومستشرق واستاذ في اللسانيات، وعندما قرأ مقالي قبل أسبوعين وعلم بوجودي في بريطانيا، ازعجني باتصالاته وايميلاته وإلحاحه لي بضرورة زيارته ولو ليوم واحد، وكتب لي في رسالته وبالعربية: «إن نار شوقي لك أحر من وقود جهنم، وإنني أذوب حنيناً وتشوقاً إليك وأعد الوقت بالدقائق والثواني!».

بصراحة، كلام اسماعيل جعلني أشعر بالريبة تجاهه!

 

لم أجد شخص يتحّين الفرص كي يخجلني مثل هذا الإسماعيل العجوز، فكل أصحابه أصبحوا ينعتونه بإسماعيل بعد أن علموا بقصته معي، فقرر الانتقام مني عبر تدبير المكائد المازحة، وعندما قام بدعوتي دعى بعض أصدقائه العجائز لنجلس معاً في أحد النوادي الراقية في قلب العاصمة امستردام، الذي كان في السابق يُستخدم كمجلس للطبقة الارستقراطية، ثم جلستُ اتمعن في منظر الشواب والعجائز وهم يتحدثون بانفعال باللغة الهولندية وأنا مثل الأطرش في الزفة! وأعاتب نفسي: «ما الذي ابتلاني بالعجائز واجلسني مع هؤلاء المخرفين؟!». لاحظني اسماعيل وقال: «لا تنزعج يا بُني، فصحيح أنكم أنتم الشباب تتميزون بوجوهكم الجميلة، لكننا نحن الشيوخ نتميز بأرواحنا الجميلة». ثم قام إسماعيل وحوّل الحوار إلى الإنجليزية، وأخرج ورقة مطبوعة من الإنترنت للصفحة الأولى من أحد أعداد صحيفة «الإمارات اليوم» خلال شهر فبراير الماضي، التي تتناول موضوع منع إحدى البلديات في دولة الإمارات من عرض تماثيل ومجسمات عرض الملابس في واجهات عرض المحال التجارية الأمامية والداخلية، إذا كانت تلك المجسمات مكتملة الملامح، أو تشبه البشر، ولكن تلك البلدية استثنت المجسمات التي يتم فيها طمس ملامح التمثال أو فصل الرأس نهائياً، وذلك استناداً إلى فتوى شرعية. حينها صمتُ وغطيتُ وجهي بيدي الاثنتين وانحنيتُ بجسدي وتنهدتُ قائلاً في خاطري «حسبي الله عليك يا إسماعيل، سأنتقم منك!».

 

قال إسماعيل بكل ثقة: «أنا أعرف التاريخ العربي جيداً، وتحريم التماثيل في ذلك الزمن القديم إنما جاء لإزالة أي أثر للأصنام قد تؤثر في عقيدتكم وتذكركم بعبادتكم لها في الجاهلية، ولا اعتقد أنكم في يومنا الحالي ستقدسون التماثيل أو أية أعمال فنية أخرى لمجرد أن ملامحها تشبه ملامح البشر! كان الأحرى مراعاة عنصر الزمان، أليس كذلك؟!». وأضاف إسماعيل: «يا سيدي لا تقلدوا ما هو قائم في بلدان الآخرين، فليس بالضرورة ما يصلح لديهم سيصلح لديكم! وبغض النظر عن التشابه في الدين في بلدانكم العربية، لا تنسى هناك عادات وتقاليد وأنماط وسمات ثقافية تختلف من مجتمع إلى آخر!». قلت: «يا إسماعيل قد أسأت الظن، إن بعض الظن إثم، وكل ما في الأمر إنما جاء لدرء الفتن!».


أكمل حواري مع إسماعيل في الأسبوع المقبل.    

salem@dcc.ae