أدلّة على تورّط واشنطن في «فتنة غزة» 1-2

 

ديفيد روس
 
عقب إخفاقه بالتكهن بالنصر الذي احرزته حركة المقاومة الاسلامية «حماس» في الانتخابات الفلسطينية عام 2006، بدأ البيت الابيض في تدبير عملية سرية في الشرق الاوسط ضد «حماس» والتي هي عبارة عن مزيج من فضيحتي «ايران ـ كونترا» و«خليج الخنازير».
وتكشف وثائق سرية حصلت عليها «فانيتي فير»، كيف ان الرئيس الاميركي جورج بوش، ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، ونائب مستشار الامن القومي اليوت ابرامز، قدموا الدعم لقوة مسلحة، تحت قيادة رجل فتح القوي محمد دحلان لإشعال حرب اهلية دموية في قطاع غزة ضد حماس، الأمر الذي تسبب واقعيا في جعلها اقوى مما كانت عليه من قبل.
 
حرب قذرة
ساد الهدوء فندق الديرة بمدينة غزة، على الرغم من ابتلاء القطاع بالفقر والخوف والعنف، حين جلست في مطعم الفندق منتصف ديسمبر العام الماضي.
 
كانت نوافذ الفندق مطلة على مياه البحر الابيض المتوسط، حين كنت استمع لرجل ملتح يدعى مازن اسعد ابو دان، وهو يصف المعاناة التي عاشها 11 شهرا على يد اخوته الفلسطينيين.
 
ابو دان البالغ من العمر 28 عاما، عضو في حماس التي تعدّها الولايات المتحدة منظمة ارهابية، وكان لديّ الكثير من الاسباب، لكي اثق بما كان يرويه، لأنني شاهدت شريط الفيديو  الذي يظهر فيه راكعا ويداه مقيدتان خلف ظهره، وهو يصرخ جراء الضربات المتواصلة التي كان آسروه يكيلونها له بقضيب حديدي اسود.   
 
قال أبودان لي «تفسّخ جلد ظهري بسبب الجلد». وأضاف «وبدلا من معالجتي كانوا يسكبون العطور على جروحي، وكنت احس كأنما يقطعون لحم جلدي بالسيف». في 26 يناير 2007 ذهب ابو دان ـ الطالب في الجامعة الاسلامية وقتها ـ إلى مقبرة محلية مع والده وخمسة آخرين لوضع شاهد على قبر جدته، وعندما عادوا وجدوا انفسهم محاصرين بـ 30 رجلا مسلحا من فصيل فتح المناوئ لحماس، والتابع للرئيس الفلسطيني محمود عباس. 
 
يقول أبو دان «اخذونا إلى مبنى في شمال غزة ثم عصبوا أعيننا وأخذونا إلى غرفة في الطابق السادس منه». يكشف شريط الفيديو السابق الإشارة اليه ـ والذي يوثق ماتعرض له أبودان ـ عن غرفة خالية من الاثاث ذات جدران بيض، وارضية مكسوّة بالفسيفساء البيضاء والسوداء، حيث اجبروا والد أبو دان على الجلوس والاستماع لصراخ ابنه من الالم.
 
ويقول ابو دان إنه اقتيد هو واثنان من رفاقه بعد ذلك الى ساحة في سوق، حيث «اخبرونا بأنهم يريدون اعدامنا، وأجبرونا على الجلوس على الارض».
 
وكشف عن ساقيه ليريني آثار الجروح الدائرية والتي تقف دليلا على ما حدث بعد ذلك: ويقول «اطلقوا الرصاص على ارجلنا وأقدامنا، بمعدل خمس طلقات لكل واحد منا، وقضيت اربع اشهر اتنقل بالكرسي المتحرك». 
 
لم يكن ابودان يعلم ان معذبيه يستندون إلى حليف سرّي يتمثل في ادارة بوش، كما كشف عن هذا شريط فيديو عثر عليه مقاتلو حماس في احد مباني فتح الامنية، نهاية يونيو الماضي، ويظهر فيه سجناء معصوبو الاعين اجبرهم جلادوهم على الهتاف: «بالروح والدم نفديك يا دحلان، يعيش محمد دحلان».
 
ليس هناك من هو مكروه وسط حماس اكثر من دحلان، والذي كان يعمل قبل فترة قصيرة مستشار أمن قومي لعباس، وهو الذي قضى عقدا من الزمن يقاتل في حماس.
 
ويدّعي دحلان ان ابو دان تم تعذيبه دون علم منه، الا ان الشريط يعدّ دليلا على ان أتباع دحلان يتبنون وسائل وحشية في التعذيب. وقد حصلنا على وثائق تثبت مباركة بوش لهذه الحرب الاهلية الفلسطينية التي نفذتها رايس والمستشار ابرامز.
 
وتشتمل هذه المبادرة الدموية، على خطة اميركية للقوات التي يقودها دحلان التي كانت تتسلح بأسلحة جديدة وفرتها لها اميركا، حتى يمكنها ازاحة حماس التي جاءت إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية.
 
الا ان تلك الخطة تمخضت عن ردود عكسية وانتكاسة للسياسة الخارجية الاميركية، فبدلا من طرد خصومهم خارج السلطة، اعطى مقاتلو فتح ذريعة لحماس للسيطرة على السلطة في القطاع.
 
الأمن الوقائي
عندما تحدثت الى دحلان في فندق بالعاصمة المصرية القاهرة، لاحظت المواصفات التي يتصف بها والتي جعلته جذابا إلى الإدارة الاميركية، فمظهره انيق، ويتحدث الانجليزية بشكل جيد،
وسلوكه ساحر بسيط وجذاب، وقد لا تعني هذه الصفات شيئا، اذا كان دحلان قد ولد لأسرة غنية، ولكن مولد هذا الرجل في معسكر اللاجئين في خان يونس بقطاع غزة، يعني الكثير؛ فقد استقى تعليمه من الشارع، وساعد عام 1981 في تأسيس حركة شباب فتح، ولعب فيما بعد دورا مؤثرا في الانتفاضة الفلسطينية الاولى.
 
كما أنه ـ طبقا لروايته ـ قضى خمس سنوات في السجون الاسرائيلية. ومنذ انشائها فرعا فلسطينيا لحركة الاخوان المسلمين العالمية اواخر عام 1987، صارت حماس تمثل تهديدا لحزب فتح العلماني. التوتر المتصاعد بين المجموعتين تحول الى عنف في بواكير تسعينات القرن الماضي، بعد ان اصبح دحلان يلعب دورا محوريا في حركة فتح، وبوصفه مديرا للأمن الوقائي، اعتقل دحلان نحو 2000 من اعضاء حماس عام 1996. 
 
ويقول دحلان «ان عرفات كان يريد اعتقال زعماء حماس العسكريين لأنه يعتقد بأنهم يعملون ضد مصالحه، وضد عملية السلام، وضد الانسحاب الاسرائيلي وضد اي شيء». ويضيف «طلب إلى الاجهزة الامنية القيام بذلك، وقمت انا من ناحيتي بتنفيذ ما طلب إليّ».
 
وتدعي حماس لسنوات عدة ان القوات الامنية تعذب المعتقلين لديها باستمرار، ويدعي دحلان ان هذه الادعاءات مبالغ فيها وأن لا احد من المعتقلين مات في السجون الفلسطينية.
 
كان دحلان يعمل بشكل لصيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي «إف بي آي» ووكالة الاستخبارات الاميركية المركزية «سي آي إيه»، وإنشاء علاقة حميمة مع مدير الاستخبارات السابق جورج تينيت.
 
بوش يريد 
يقول دحلان انه «حذر اصدقاءه في ادارة بوش بأن فتح لم تكن جاهزة بعد للانتخابات»، حيث إن عقدين من حكم عرفات حولا الحزب إلى رمز للفساد وسوء الادارة، وهو ما استغلته حماس في حملتها الانتخابية.
 
ويقول دحلان «إن الجميع كانوا ضد الانتخابات»،  ما عدا بوش «حيث قرر أنه يريد الانتخابات داخل السلطة الفلسطينية، وتبعه الجميع في الادارة الاميركية، وكل واحد منهم يضغط على عباس بأن بوش يريد الانتخابات» حسنا، ولأي غرض تريدون الانتخابات؟ سارت الانتخابات كما هو مخطط لها، وفي 25 يناير حصلت حماس على 56% من مقاعد المجلس التشريعي.
 
القليل جدا ممن في البيت الابيض كانوا يتوقعون هذه النتيجة، ولم يكن هناك خطة للتعامل مع هذا الوضع الجديد. وأخبرت رايس الصحافيين «لقد تساءلت لماذا لم يتوقع احد ما حدث؟». وتضيف «لا اعلم احدا لم يفاجأ بالعرض القوي الذي قدمته حماس». ويقول احد مسؤولي وزارة الدفاع «تساءلنا جميعا في الوزارة عن هذا الغبي الذي اوصى بهذه الانتخابات».