.. وفي الناس المسرة

 

بكرم وترحاب يشدّون على يد الموت، يرجونه أن يبقى قليلاً ليشرب «الشاي» الفلسطيني، وأن يتعشى مع الأولاد!


أنت لست غريباً أيها الموت، اجلس قليلاً!! ويناديه - الذين سيصيرون يتامى عمّا قليل - اجلس يا عمّنا ! لكنه يضع «رب العائلة» تحت إبطه، وينسلّ كأي سارق. كل هذه «العِشرة» ولم تصبح صديقاً أيها الموت بعد؟


 

أهديناك أجمل أبنائنا، ومنحناك الأمهات الغاليات، وأعطيناك مفاتيح أبوابنا، لماذا إذاً تجيء غيلةً وغدراً؟ تعال من «الباب» أيها الصديق، نحن لا نردّ أحداً عن بابنا. لم نخبئ عنك طفلاً، ولا نقول إن جئتنا ليلاً: ابننا منهكٌ هذا النهار، تعال غداً! لم يضحك أحدٌ في حضرتك.. لم يستخفّ ولدٌ بانحناءة ظهرك المزرية. فقط، كل ما نرجوه أن تتركنا نرفع دمنا إلى «الله» بطريقةٍ لائقة! أنت الذي ورّط «الأولاد» في السياسة!!


أتذكُر؟!
حين كُنتَ شاباً، تلعب مع شبابنا، وتأخذهم إلى الأحلام البعيدة.. كنتَ فاتناً ووسيماً ومُغرياً!ها هم الأبناء الأوفياء يُفتنون بك - على الأقلّ - لأنك صديق الوالد. قد نقسو عليك في لحظة عابرة، لكنك صرت واحداً من العائلة.. تعال إن شئت وانظر، لك صورة في صدر كل بيت. فقط، يودّ البعض أحياناً أن يسألك: ما سر هذا التعلّق بنا؟! ولماذا كل هذا العناء، طائرات حديثة، وصواريخ غالية الثمن، لأجل أن تدعو رجلاً إلى صحبتك؟ كان يكفي أن تنادي من أول الزقاق: يا أبا محمد. فيأتي إليك راكضاً.. أنت لا تصدق أنك صرت واحداً منّا، نهبلا لنجدتك، ونؤمن لك قوت يومك!


تعال واجلس يا رجل، نحن نعرف لو تركتنا كم ستعاني من البطالة!
فقط، كانت ابنته ستهمس في أذنك أمس، ثم اختنقت ببكائها، لو أنك يا عمّي تركته يتناول الغداء. ما كان من سبب يدعو لكل هذا الضجيج في الشارع، وأن تجمع الناس علينا، كان سيأتيك بهدوء! خَجِلتْ، فيما يبدو، وهي تعرف منزلتك في العائلة أن تقول لك لماذا لم تقابله يا عمّي رجلاً لرجل؟!


ها أنت تقيم بيننا مثل كل أبناء «القطاع»، لم نعاملك يوماً كغريب، لم نقطع حديثاً عند دخولك، ولم نكن نخفي عنك سراً، كنت تنام في فراش أولادنا، وتقف على «الحاجز العسكري» مثلنا، وتخرج في المظاهرات قبلنا.. إن بيننا وبينك يا عمّنا الموت «عيش وملح»، لكنك هكذا دون سبب تختبئ خلف أول سيارة عسكرية لترشقنا بخيانتك السافرة! لو أنك أيها الصديق فكّرت قليلاً؛ لرأيت أننا طيبون، مسالمون، نصلح للعب «التنس»، أو أخذ الزوجة والأولاد في نزهة على البحر، نجيد الحياة، نكتب الشعر، نرقص إن صار لنا «عيد استقلال» ككل الناس، نغني في عرس الابنة الصغرى، لنا أحلامنا الصغيرة وأشواقنا المؤجلة من ألف عام! 


لو أنك فقط فكّرت قليلاً؛ لاكتشفت أن وجودنا لا يضرّ البيئة، وأطفالنا ليسوا عبئاً على «اليونيسيف»، ونومنا هنا لا يزعج البحر. لو أنك فقط تساءلت: لماذا عليّ أن أقبض روح هذا الولد العائد للتو جائعاً من المدرسة لا يحلم في هذا الطقس الحار سوى بكأس ماء بارد و«سندويش» زعتر؟!
لو أنك فكرت، ماذا سيخـسر العالم لو أن الولد نام في حضن أمه ليلة أخرى؟