يوسف الشاروني

يوسف ضمرة

أن يصدر كاتب رواية ما بعد أن يتجاوز الثمانين من عمره أمر مقبول ومنطقي وعادي ولا غبار عليه ـ كما يقال ـ بالنسبة لروائي مجرب.


 أما أن تكون الرواية هي الأولى لكاتب في الرابعة والثمانين من عمره، فهو أمر يستحق التأمل والكتابة.
 
هذا ما فعله الكاتب العربي الكبير يوسف الشاروني بإصداره روايته الأولى «الغرق» بعد أكثر من 50 كتاباً في القصة والنقد والترجمة، وبعد أكثر من نصف قرن من صدور مجموعته القصصية الأولى «خمسة عشاق» الصادرة في عام .1954
 
ويوسف الشاروني من الجيل الذي قُدّر له أن يكون واحداً من «مجايلي» الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ، الذي أخذ اسمه في الخمسينات في الانتشار،

خصوصاً بعد إصدار ثلاثيته الشهيرة. وعلى الرغم من ذلك فقد تمكن يوسف الشاروني من الصمود أمام سطوة اسم لمع نجمه، وبدا لمعانه في ازدياد، ما يعني أن كتاباً كثيرين سيختفون من تلك الحقبة، وهو ما لم يحدث مع الشاروني.

وإذا كان الشاروني أدرك في حينه أن الخوض في الكتابة الروائية لن يكون سهلاً، إذا ما أخذنا في الاعتبار أيضاً شيوع أسماء بارزة على الساحة المصرية والعربية قبل نجيب محفوظ، كيوسف السباعي، ومحمد عبدالحليم عبدالله، وإحسان عبدالقدوس،
 
فإن اختياره التركيز على القصة القصيرة كان فيه شيء من المجازفة أيضاً، في ظل الصعود الصاعق للقاص يوسف إدريس. هذا لا يعني أن الساحة الثقافية لا تتسع إلا لروائي واحد، ولقاص واحد.

ولكنه يعني أن هنالك نجماً ساطعاً لابد من وجوده في حقبة ما، ولعل حقبة المتنبي وحقبة محمود درويش تشهدان على ذلك. ومن الواضح الآن أن الكاتب يوسف الشاروني أراد أن يثبت ربما لذاته أولاً، أنه قادر على كتابة الرواية،

وأن لديه من التقنيات الكتابية ما يؤهله لخوض التجربة، فكانت روايته «الغرق» تعبيراً عن شجاعة فنية لا يمتلكها كثير من الكتاب الجدد في العالم العربي.
 
وما يسجل للكاتب الكبير يوسف الشاروني هو عدم الالتزام بمدرسة أدبية أو نهج محدد في الكتابة، وإن كان أميل إلى الكتابة الواقعية. كما أن ما حفلت به كتاباته من عنصر السخرية كان ميزة لا تسلم قيادها للكاتب عموماً بسلاسة.

يوسف الشاروني واحد من أهم كتاب القصة العربية، ولكننا اعتدنا في الوطن العربي تركيز الأضواء على كاتب واحد فقط، أو على حفنة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
 
وهو ما يحتاج منا إلى إعادة الاعتبار إلى مجموعة من الكتاب العرب الكبار، الذين جرى التعتيم عليهم بظلال عدد قليل من الكتاب الآخرين. ولعل يوسف الشاروني، وبخاصة بعد مواصلته الكتابة على الرغم من بلوغه الثمانين،

ثم شجاعته أخيراً التي تمثلت في إصداره روايته الأولى بعد هذه التجربة الطويلة، يكون واحداً ممن آن أوان رد الاعتبار إليهم، وإن بدا متأخراً.     damra1953@yahoo.com
طباعة