أمّية المعرفة


يعيش العالم عصر الثورة المعرفية، حيث تفوقت أمم وتبوأت أخرى مراتب العلا بقدر ريادتها العلمية، وتعدد إنجازاتها لفائدة الإنسانية في جميع مجالات الحياة.

 

وتراكمت خبرات الإنسان عبر العصور، وتتالت حقب نمت فيها مداركه؛ لتنتقل هذه المعارف بين الشعوب التي اجتهدت دولها وحكوماتها، لتمكن أكبر عدد من مواردها البشرية لاكتساب مختلف المهارات للمساهمة في بناء صرح الرقي والازدهار. إلا أن التقارير الرسمية توضح هول الهوة بين أقطاب الاختراعات المنتجة لموارد السلطة الصناعية والاقتصادية والهيمنة العالمية، وباقي الأمصار التي تكافح لمحاربة الفقر والأمية.

 

أول أنواع التخلف الحضاري، يظهر في الأمية الأبجدية التي تعد إعاقة فعلية للتنمية البشرية في عصر التعاملات المكتوبة، وآليات التواصل القائم على اللغة المركبة المعاني، والترميز الحرفي والرقمي للمفاهيم؛ ولعل المفارقة التي يصعب استيعابها، هي أن معظم البلدان كانت تعيش في مستويات معرفية متقاربة وربما إن قيست بالزمن، فلن تكون الفوارق إلا بعقد أو عقدين، أما ما يلاحظ حاليا فهو أن الأرض تجمع على أطرافها أمماً تقاربت المسافات بينها لتصبح معدودة بالساعات طيرانا، بيد أنها تتباعد عن بعضها بأكثر من 100 سنة معرفيا.

 

فلم تعد جهود التنمية مقتصرة على ضرورات التعليم الأساسي، بل أصبحت الاستراتيجيات مركزة لجعل الفرد متمكناً من أسس الاكتساب المعرفي والتطوير الذاتي للمهارات الشخصية،وارتفعت أعداد المخترعين والمبدعين والعلماء والباحثين لتتجاوز مئات الآلاف، كما أن كمية التغييرات والتطورات التقنية صارت لاتعد ولا تحصى؛ في حين أن المستهلك المتابع، يجد صعوبة لاستيعاب جدوى مواكبة المستجدات، بينما يعيش آخرون خارج هذا الزمن المعرفي.

 

لكن الأمية الثقافية متفشية في كثير من المجتمعات التي قد تبدو متعلمة، وذلك بسبب إغفال المقاصد الفعلية للعلوم والمعارف، فتحجيم المدارك في مجالات تطبيقية يدعم انتشارها الاستهلاكي جماهيريا، فترى الناس أجزاء من منظومات محكمة الإغلاق يحومون في خضم شباكها ولا يعون مكوناتها ولا يستطيعون تسخيرها لتحقيق حرياتهم الفكرية؛ بل يتعودون على مظاهرها التكرارية التي تعطيهم طابع الركون إلى المعتاد دون ملكة حقيقية؛ ونضرب مثالاً على ذلك، أعداد الأشخاص الذين يستعملون يوميا العديد من الأجهزة الحديثة ولا يعلمون عن قواعدها التكنولوجية شيئا، كما أن كثيرين يدمنون الأخبار السياسية ويملأون أوقات فراغهم بمتابعة تناقضاتها، ولا يفقهون عن تاريخ الأزمات إلا النزر اليسير؛ كما أن الثقافة العامة تدنت، فلم يعد التقني قادراً على الإلمام بالأدب والعلوم والفنون، والأمر نفسه بالنسبة للباحث في العلوم لم يعد محفزاً لتنمية ثقافته الفنية، أوالقانونية أوالاقتصادية؛ علما أن كل مجالات المعرفة تنبع وتصب في خدمة الإنسانية.

 


يعتمد تعميم الثقافة على نشر مختلف العلوم، كظاهرة طباعة وإصدار الموسوعات العلمية، بقصد تمكين أفراد المجتمع من محصلة العلوم كافة؛ إلا أن الهدف ليس الافتخار بامتلاك الموسوعة أوالاعتداد بإصدارها، ولكن ينبغي التحقق من زيادة عدد أفراد المجتمع المتمكنين من مختلف المعارف؛ كما أن وسائل التواصل ومؤسسات الإعلام تلعب دوراً رئيساً في رفع مستوى الثقافة المجتمعية، وذلك بتنويع البرامج المعرفية مع المحافظة على قاعدة الترفيه والتسلية لكي لايتحول الإعلام إلى مدرسة تلقينية، بل ينبغي أن يتطور إلى أداة تواصل معرفي.

 

أما دور المدرسة لبناء أسس المعرفة فهو قطب الارتكاز لكل تخطيط لاستراتيجيات التنمية، فإن غفلت آليات المؤسسات التعليمية عن ذلك، يتخبط المجتمع في سلبيات الإخفاقات التلقينية ويتفاخر بكم المخرجات العددية؛ إلا أن محتوى ومضمون المكتسبات الملقنة يفتقد الملكات البنيوية التي تمكن التلميذ من مختلف تراكيب المفاهيم ليستخلصها لبناء ذاته، ليصبح كيانه تراكماً لأسس مختلف المناهج المعرفية التي تغذي فكره، ويستقل بتوجهاته الإبداعية التي تثري مسيرته التعلّمية.

 

كثيرا ما نتقبل اختزال المهارة في شكلها الآلي، مايفقد صاحبها القدرة على إيجاد الحلول الناجعة بالاعتماد على القاعدة العلمية، كأن يتعود طالب على إجراء عملياته الحسابية باستعمال الآلة الحاسبة، وحين يفقد آلته، تجده حائراً لايدري كيف يحل مسألته؛ وكأن يتوهم المرء أن مبدأ تحديد الزمن مرتبط بساعته التي يحملها في معصمه، ولا يدري شيئاً عن أصل الوقت والتوقيت، وهلم جرا من المفاهيم المنتشرة التي تعوّد الناس على التعامل معها آليا وظاهريا دون إدراك فحواها.