عمر النجدي.. الأشكال الجديدة للحــروف


رغم تاريخه الفني الطويل، والعدد الكبير من المعارض المحلية والعالمية التي اقامها الفنان التشكيلي المصري عمر النجدي، الا انه ولأول مرة يخرج من ارشيفه الاعمال الخاصة بالحروفية  التي تعود الى ستينات القرن الماضي،
 
ليقدمها في معرض خاص بها في «آرت سبييس غاليري»، تنهض الحروف السوداء من اللوحات لتحتضن العالم الخارجي والنور كله، او قد يطغى اللون على الحرف فتبدو لوحة تشكيلية بعيدة عن الحروف بمضمونها الفني الفعلي.
 
بين الحلم والواقع، والحركة والسكون تبقى اعمال النجدي متميزة بانبثاقها من البيئة المصرية، التي رغم عالميته لم تختفِ من داخل جوهر فنه. حروف سوداء  لم يول النجدي هذه الاعمال اهمية خاصة من قبل، بالرغم من اهتمامه بهذا الفن منذ الصغر،
 
حيث قدم في بدايته العديد من اللوحات التي كانت تحتوي على كلمات ضمن اللوحة لاسيما رسمه لمشاهد من الحياة الشعبية، «كعربات الفول»، فقدمها بأسلوب مغاير لفنون الخط العربي، فكانت الكتابة معه متحررة من قواعد فن الخط  العربي في كل اللوحات،
 
ونوّعت بين اشكال الحروف المستخدمة، وتتداخل في اعمال النجدي تقنيات متنوعة، وفنون مختلفة، وهذا ما يعتبره النجدي السبب الذي أورثه الكثير من الاساليب المتداخلة التي بعد ان انصهرت في بوتقة واحدة أنتجت تجربة عمر النجدي.
 
ويركز النجدي في اللوحات الحروفية على اللون الاسود وهذا ما ردّه الى «ان الاسود يحتوي الالوان وهو اساس الالوان، طبعاً مع الاخذ بعين الاعتبار اني رسام لون بالدرجة الاولى وأحب الالوان، لكنني شخصياً أوظف اللون لخدمة الفكرة او العكس؛ لانه في كثير من الاحيان لا يمكنني الفصل، فالاحساس يقود الى اللون». 

بصمة خاصة  ويعتبر النجدي ان هناك اكثر من اضافة قدمها للفن التشكيلي في رحلته المعبرة عن الهوية القومية، ويقول في هذا الصدد «اسست لدى عودتي من فينيسيا جماعة (فسيفساء الجبل)،
 
وكانت اولى اهتمامات هذه الجماعة هي فن الموزاييك الاسلامي، وابتكرت اسلوباً جديداً في العمارة الاسلامية، وهي طريقة بناء عرائس الجامع النحتية، التي تخرج من الفراغ الذي يفصل بين الحجارة، مع الحفاظ على التناسب بين الحجارة والعرائس في المساحة،

فأصبح هناك تطابق بين الحجارة والعرائس، وقد طبقت هذا الاسلوب على اساس معادلة الفكرة بالفراغ، وهو اسلوب مستوحى من فن العمارة الاسلامية.
 
اما الاضافة الاخرى التي حققتها من خلال عملي فهي التمييز بين الازل والابد، فبداية الرسم على الصفحة يدل على الازل، اما التوقيع النهائي فيعني الانتهاء الى الابد».
 
الطفولة والنضج ويؤكد النجدي الذي تحاكي اعماله المتخيل الشعبي «ان الانسان يتطور ثقافياً وعلمياً من خلال البيئة التي يعيش فيها، وكذلك بسبب انفتاحه على البيئات الاخرى، ما يمنح المرء ثقافة وعلماً اوسع، وهذا ينعكس مباشرة على فنه»،

ويستشهد بالقول: «قدمت موضوع البطاطا منذ سنوات، ولكن اليوم لا يمكن ان اقدمه بنفس الطريقة؛ لانني لم اتغير بل تطورت من طفل بسيط وساذج الى رجل ناضج يعرف كيفية التعامل مع الآخرين، فقد قدمت اعمالي مع اعظم رسامي العالم،
 
وتأثرت بالكثير منهم امثال بيكاسو ودالي، ولكن برأيي ان المهمه الاصعب هي ان يخرج الفنان بهوية مستقلة ويترك بصمته الخاصة، وقد نجحت في ترك بصمة خاصة من خلال تأثر الآخرين بي».

فنان اللحظة  يرتكز عالم النجدي الذي يمزج بين الفنون الاسلامية والبيزنطية والقبطية وغيرها، فطرياً وليس عقلانياً، على الاحساس الذي يعتبره الفنان نقطة البداية، وجوهر اللوحة. لذا يقول النجدي «انني فنان اللحظة، وليس المرحلة، أتأثر  بالموضوع، واللحظة هي التي تحركني، فاللحظة هي التي تبرمج العمل.

لذا فالاحساس هو الذي يملي علي التقنيات التي سأستخدمها. وهذا ما أختلف به مع الكثير من الفنانين الذين يتبعون بأعمالهم مدارس معينة فتكون متشابهة، لذا لا اريد ان تكون اعمالي مجرد نسخ معدلة عن بعضها بعضاً بل ان تنبع من الاحساس، وهذا ما اعتمدته في رسمي للحروف، فقد توحي الكتابات احياناً بالقرآن، وأحياناً يطغى اللون على الحرف».
 
ولا يتعدى البعد المكاني عند النجدي اللوحة نفسها، فهو يعتبر «الحيز المكاني هو حيث توجد اللوحة، في حين يأخذ حيز الزمان بعداً آخراً تحدده اللوحة لانه يجسد الذاكرة والتاريخ،
 
اذ يحاول النجدي ربط الذاكرة بالواقع؛ لانه يعتقد ان الفنان هو انسان ازلي، خلق الله فيه العقل والمشاعر، لذا يجب ان يخاطب العمل الفني الاحساس دون تفاصيل،  فهذا أصدق تعبير عن الواقع والافكار التي تأخذ شكلاً ناضجاً».
 
فلسفة خاصة  ومن جهة اخرى، ميّز النجدي بين التشكيل والزخرفة بالقول ان «العمل في الزخرفة يعتمد على المنطق، بينما يعتمد العمل الفني على العفوية، اما بالنسبة لعملي في مجال الموزاييك الذي يتطلب المنطق، فهو يختصر فلسفتي الخاصة، التي خرجت من مضمون المدارس، وهي الطائر العربي الخرافي الذي ليس له وجود لكنه يحلق في كل الوجود».

وصنّف النجدي الذي يؤمن بشمولية الفن، الفنانين الى ثلاث فئات وهي: «الفنان» أي المبتكر، و«الآرتيزان» وهو الصانع المقلد، وأخيراً العبقري الذي يمكنه ان يقدم أي عمل. رافضاً في الوقت عينه ان يضع نفسه في احدى الخانات، معتبراً أن هذا من حق الجمهور والصحافة.
 
مناخات مصرية 
 انعكست المناخات المصرية في أعمال النجدي، وهذا ما رده الفنان الى جنسيته المصرية، مشيراً الى انه «يختلف مع كثير من الفنانين الذين يعيشون في اوروبا فيتبعون المناخ الغربي لاني اعتبر هذا انفصالاً عن الجزء الاصلي الذي نبع من الانسان والفنان، لانه الوحيد الذي يكفل امكانية الوصول.

والحفاظ على الجذور الاساسية للمرء تكون بخروج الفنان من بلده مع الابقاء على تواضعه وتعلقه بأرضه
».
 
عتب  
عتب النجدي على وسائل الاعلام، واعتبر ان الفنان التشكيلي مظلوم في العالم العربي، لان الاعلام لا يقوم بدوره معه على اكمل وجه.
 
 وقال «يتعرف الجمهور إلى المغنيات والمغنين المبتدئين بعد دخولهم مجال الفن بأسابيع بسبب عناية الصحافة بهم وتخصيص صفحات كاملة للحديث عنهم، مقابل عدم منح المساحات نفسها للفنانين التشكيليين الذين يتمتعون بتاريخ ومسيرة فنية طويلة