إبــداع العــزلة - الإمارات اليوم

إبــداع العــزلة

زياد العناني


حين نطل على ما يحيط بشعرية «الإشاعة» الآن من  فقاعات ودوائر إعلامية نستذكر عزلة الشاعر السبعيني أنسي الحاج، وكيف استطاع هذا الشاعر الزاهد النجاة من سواد النزعة النرجسية، إضافة إلى كذب الأهمية الذي وقع في حفائره بعض الشعراء العرب جراء محاولاتهم المقززة لتسويق أنفسهم من خلال الكتابة عن نصوصهم وتوظيف «نقاد القطعة» بالبحث عن مجمل اقتراحاتهم الجمالية المفتقدة في عملية استكشافية يمكن لنا أن نسخر منها ونمد لها اللسان كله.


ثمة فارق شاسع بين شاعر له عزلته المضمرة يخبئ تجربته ويهرب من تحت الإضاءة، وآخر يستثمر ويسخر كل علاقاته ويعبئ كل أفعاله الشعرية والشخصية على شكل أخبار تسعى وتتلوى في الملاحق الأدبية والمجلات الإبداعية والحوارات الشهرية من غير أن ينقد نفسه أو يتوقف عن  الزهو الكاذب والخداع رغم علمه بالمثل القائل «عنزة وإن طارت».


في الآونة الأخيرة انحسرت قوة النص وتأثيره وحلت  «الخبطة الإعلامية» محل الاقتراح الجمالي فهذا شاعر يشكو من مقص الرقيب مع أنه رهين الرقابة الداخلية، وذلك شاعر يتأبط شره، ويهاجم شاعراً مكرساً بحجة أنه مثل شجرة كبيرة أخفت الغابة، متناسياً أن كل قدرته تكمن في أنه أنكر وجود بعض الأنبياء اليهود وهاجمهم، وهو إلى ذلك مجرد ساعٍ إلى كسر محرم أكثر من سعيه إلى إنتاج قصيدة تضاف إلى معنى ومنى الشعر العربية في كل أجناسه.


هل نحن أمام شعرية «الشتيمة»، أم إن الشتيمة -ولا أقول الهجاء- صارت ترتب ما نحن فيه من وهن وخواء.


في ضوء هذه الحال نسأل أين  تكمن الأزمة؟ وأين جذورها؟ وهل حلت «أنا» الشاعر في كل شيء إلى الحد الذي باتت فيه علاقته بالإعلام مجرد آلة أومنظومة قد تغنيه عن إنجاز نص له حضوره ورؤيته بين العلائق الإبداعية؟ وبالتالي يقف، أو يتوقف، أمام هذه العلائق والعلاقات المريضة التي لا تدور إلا بذهن غير ناضج يغريه فعل الاستحواذ فينحرف وتنحرف نشأته ليتحول من مبدع نص إلى مبدع معركة غير قادر على التعامل مع المشاعر الإنسانية بكل ما فيها من اخضرار وحزن وأسى.


تحية إلى عزلة أنسي الحاج، وتحية أخرى مثلها إلى عزلة الشاعر والروائي سليم بركات الذي استقر منذ سنوات في كوخ خشبي في أحد جبال «الألب» ليعصمه ويحميه ويقطع دابر كل علاقاته الزائدة  مع كل ما يمكن أن يشغله عن فعل الإبداع باستثناء علاقته مع ناشر هنا أو آخر هناك يرسل إليه كتابه الساخن والطازج ثم يلوذ إلى يقين الكتابة الذي لا يأتيه الباطل أبداً.. 
zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة