اقول لكم

 عشر دقائق وصفاراتها تصملا الآذان وتهزلا المكان، انحشرت سيارة الإسعاف في شارع من مسارين، وسط منطقة بر دبي القديمة، واحتاجت إلى أكثر من ربع ساعة حتى تقطع ذلك الكيلومتر الواحد الذي يفصلها عن شارع خالد بن الوليد، وهي سيارة إسعاف، والإسعاف بات بحاجة إلى إسعاف، ممن؟
 
من الذين لا يكلفون أنفسهم التحرك يميناً أو يساراً بضع سنتيمترات، أبداً، هم جامدون وكأنهم «خُشب مسنّدة»، والصفارة تصرخ، وكأني بها تتكلم، تستنجد بأهل النخوة، فمن أين تأتي النخوة؟
 
الإسع لا يُحترم عندنا، لا يفكر كل من ركب سيارة أن داخل سيارة الإسعاف إنـساناً ما بين الحياة والموت، قد يكون رجلاً مسناً أصيب بأزمة قلبية، وقد يكون طفلاً ينزف نتيجة حادث، وقد تكون أُمّاً جاءها المخاض ، قد تكون حال من يرقد على محفة الإسعاف بحاجة إلى دقيقة، فتضيع الدقائق في شارع واحد،

شارع لا تزيد أمتاره على الألف، وسائق الأجرة إذا رآك تفسح المجال لتسعف الإسعاف تقدم هو إلى الأمام ليسدّ الطريق، ويعتبر نفسه أحق بتلك الأمتار الجديدة في معركتة الدائمة مع الفراغات في الشوارع، فماذا تفعل له؟ هل تنزل من سيارتك وتعطيه محاضرة حول الأولوية والإنسانية؟ وإذا لم يفهمك، ماذا ستفعل معه؟

تتشاجر وسط الشارع؟ وماذا سيغيّر ذلك من سلوك هؤلاء الذين لا يحترمون الطريق الذي يشغلونه، ولا الناس الذين يعيشون معهم، كلهم، وأجزم بذلك، كلهم لا يعرفون أن لسيارة الإسعاف أولوية المرور والتجاوز، فلم يعلمهم أحد، لم يثقّفهم أحد،
 
ولم يعاقبهم أحد، فتمادوا في تصرفاتهم، حتى رب الأسرة الذي كان سعيداً مع أطفاله بصوت صفارات الاستغاثة المنطلقة من سيارة الإسعاف، لم يخجل من نفسه، ولم يكتفِ بعدم زحزحة سيارته بل كان يدعو أطفاله لمشاهدة السيارة التي تطلق الصفارة،
 
ويضحك مع امراته الجالسة معه في المقعد الأمامي، وبالكاد تستطيع أن تلتفت لتشاهد منظر الإثارة، ولا تدري، لم يقل لها أحد، أن داخل سيارة الإسعاف نفساً بشرية تتألم، وأن سيارة الإسعاف توقف بصافرتها أكبر الناس مقاماً ومكانة؛ احتراماً لحق المريض والمصاب،
 
ولكن لو كانت هذه المرأة وزوجها وسائق الأجرة قد نالوا غرامة مرة واحدة، وأحرقتهم المائة درهم لرأينا منظراً مختلفاً، فالأولى ستشدّ يد زوجها لينحرف مفسحاً الطريق، والثالث سيقفز فوق الرصيف حتى لا يعاقب، هذا ما كان سيحدث لو أننا قلنا لهم احترموا سيارة الإسعاف، فمن يقول لهم ذلك؟ بل من يجبرهم على ذلك؟    myousef_1@yahoo.com