«علي جناح التبريزي».. عدالة اللامكان - الإمارات اليوم

«علي جناح التبريزي».. عدالة اللامكان

 
حظيت مسرحية «علي جناح التبريزي» التي عرضت يومي الخميس والجمعة الماضيين على مسرح «ندوة الثقافة والعلوم»، بحضور عدد كبير من المسؤولين والمثقفين والمسرحيين والاعلاميين. كما حظيت بإعجاب الحضور الذي تعاطف مع شخصية البطل، ومع الشخصيات التي بدت خفيفة الظل طيلة العرض.


تقوم فكرة المسرحية التي أعدها الأديب محمد المر، عن مسرحية تحمل العنوان ذاته للراحل ألفريد فرج، وتصدى لها اخراجيا حسن رجب، على حكاية من التراث، تتسم بالبساطة والوضوح في المقولة، والسرعة ببسط العدالة، وتحقق أحلام البطل، الساكن في الأنا، المقهورة غالبا. حكاية التبريزي هي حكاية كل مُيسر كريم، يفقد ما لديه، فيتخلى عنه الجميع، ليذهب على غير هدى باحثا عن حياة أفضل في مكان آخر. غير أن التبريزي، وإن قام بالفعل عينه، لكنه لم يحمل معه الفشل، بل الحلم بالثراء، الذي يعبر من خلاله إلى تجار المملكة، بل وملكها، مفرغا خزائنه وخزائن التجار في أفواه الجوعى، ويتزوج ابنة الملك- كما تقول الحكاية. وإن كان بالاحتيال، حيث يروج وتابعه «قفة» قصة القافلة المحملة بالذهب والجواهر والتي يمتلكها سيده التبريزي.


علي جناح التبريزي الفقير المعدم، المقتنع بأن زيتونة واحدة تنبت شجرة زيتون، لم يتردد في توظيف خياله، وبراعته في الكلام وبمعنى ما، ثقافته الايجابية، لتغيير واقع مرير، ليس واقعه فحسب، وإنما واقع مملكة آثر تجارها الربح، مستخدمين جميع الوسائل، غير المشروعة، وغير النبيلة للإثراء، في صورة بشعة لسيطرة رأس المال على مفاصل الحياة. إلا أن سبب اختيار التبريزي لمملكة وهمية لإحداث التغيير، يبقى غير مبرر، خصوصا أنه غادر مدينته بغداد، تلك التي تأبى أن تتغير، ربما. أو لأن السياق الفني أضعف من قدراته على الارتطام بالواقع، ففضل اختيار اللامكان ساحة لبسط العدل، على اعتبار أن المكان يمثل بساكنيه ذلك الثقل السلبي، والعصي على الإبهار أو الإضحاك.


 تبدأ المسرحية بمشهد يختصر الأسباب التي أدت إلى إفلاس التبريزي، على الرغم من نصائح مخدومه الذي يتحول إلى خدمة المالك الجديد، لبيت أو لقصر التبريزي، في إشارة لمَّاحة إلى أولئك الواقفين مع الواقف. غير أن المشهد لا ينتهي بتخلي المخدوم عن سيده بعد فقده مبرر العلاقة، حتى يحل قفة، أو ما يسميه التبريزي كافور، مكان المخدوم الاول، من دون أسباب واضحة أيضا، خصوصا بعد أن يتبين أن قفة، يمتلك ما يغنيه عن تلك المشقة التي اختار تكبدها. وتستمر المشاهد التي تفضي إلى تنفيذ الخدعة بسهولة، فتشيع فرح الانتصار في العيون.


ربما لم يعمد الفريد فرج، المؤلف الذي استوحى هذه المسرحية من حكايات ألف ليلة وليلة، أو من برخت الذي استوحاها من تلك الحكايات، إلى الذهاب بشخصيات العمل إلى ساحة الإضحاك، خصوصا أن فرج كما هو معروف كتب هذا العمل بعد نكسة 1967، ربما لانتشال الشارع المصري والعربي، من تبعات تلك النكسة، مستمرة التداعيات. ولكن نص المر، قام أساسا على توظيف المفارقة المولدة بطبيعتها لحالة الدهشة المضحكة، ربما أراد بهذه المعالجة فتح طريق معبدة بالابتسامة، بين المسرح الإماراتي، وجمهوره قليل العدد نسبيا، وربما عمد المر إلى التأسيس لمرحلة جديدة في تعاطي المسرح المحلي مع القاسم المشترك الإنساني، ولكن بوجه وعباءة ولهجة محلية، من دون اللجوء إلى الموازي أو المحاذي. وكأنه أراد القول، توطين المسرح العالمي، أمر ليس بالسهولة، ولكنه ليس بمستحيل، خصوصا أن الحالة الإنسانية، ليست حكرا على زمان أو مكان، ولا على شعب بعينه. وإذا كان الزمن لا وجود له في العمل، فإن المسافة بين بغداد والقاهرة ودبي، اختصرت بحلم التبريزي، الذي ينتمي لبغداد أو تبريز ربما، أو لغيرها من المدن. ليقدم المر في معالجته لغة محاكاة، استطاعت العودة بالبالغين إلى مرحلة الطفولة، والاهم، مرحلة الحلم. ومن أسرار نجاح هذا العرض قدرة المخرج حسن رجب في رسمه كل شخصية من شخصيات العمل، لتكون مرآة لشخصية ما، علقت بالذاكرة، سواء من خلال الحوار، أو الحركة أو الإيماء، إلى جانب توظيف مقطوعات الفرقة الشعبية التي تحاكي العمل، وتفسح المجال لتغير الديكور، الذي بدا منسجما مع مشاهد العمل.


حلم الجمهور
البطل الفقير ينتصر، ويتزوج الأميرة، وهكذا تتحقق الأحلام، وتضج عباءات الجدات بالبهجة وهن يختتمن الحكاية لأحفادهن، إلا أن واقع الحال غير ذلك، وتغيير الحال من المحال، كما تقول الجدات أيضا، فلا التبريزي غيَّر، ولا الواقع تغيَّر، وإن في اللامكانفالتعاطف الذي يجنيه التبريزي لنجاحه في توزيع المال على الفقراء، بعد سحبه من خزائن الملك والأغنياء، بالحيلة وباللعب على نقطة ضعف الإنسان أمام المال، لا يجد استنكارا من الجمهور لفعلته، كما أن ذلك الخير الوفير لا ينعكس على تابعه قفة، الرجل الثاني، الذي موَّل وروج وأنقذ التبريزي من الموت المحقق، بالاحتيال أيضا، وكأن قدر الثاني ومن هم بعده، عدم الحصول على شيء، مهما قدموا من تضحيات، في هذه الجزئية، يدخل العمل في صميم الواقعية الفنية، والواقعية الإنسانية، من دون مواربة، لتقول الحكاية: لا مكان للثاني في أي مكان وزمان. وعلى الرغم من قسوة واقع الثاني، أو التابع قفة، فإن المتتبع لكل من المسرحية والجمهور، لا يلمس أدنى تعاطف مع التابع، ما يعني أن العقل الباطن لدى المتلقي مازال مسلوبا أمام حضور الاول، ومغيبا تماما عن معاناة الثاني. لذلك كان التبريزي، حلما جميلا يداعب الفقراء، الحالمين بالتغيير وبالثراء وبالزواج من ابنة الملك، ولكن، يبقى التجار والمتاجرون في الواجهة، ويبقى الخيال زاد الفقراء، به يتشاطرون، ويتزوجون بنات الملوك، ويقاتلون الأشرار فينتصرون.. الخ

طباعة