كتب «شارون وحماتي».. المحتلون عاجزون عن صنع القهوة وقتل الفرح


تشكل المذكرات غواية لكل قارئ لأن يبحث عن الشخصي فيجد ما يتخطى ذلك إلى إسقاط تلك الصفة وتحويل الشخصي إلى فعل مشاركة، وليمضي بنا الأمر مع قراءة كتاب الفلسطينية سعاد العامري «شارون وحماتي» إلى معاينة امتزاج قصة حياة إنسان مع تاريخ شعب،
 
وتحول مشاهداته ومعاناته إلى اختزال لمشاهدات ومعاناة الآلاف عبر فعل الكتابة وتوثيق ذلك جمالياً وتقديم رواية مغايرة عن الحدث أو التأريخ إلى رصد الأبعاد الإنسانية وسرد السيرة الموازية للأحداث الإخبارية.

قبل أي شيء تجدر الإشارة إلى أن «شارون وحماتي» مكتوب أصلاً باللغة الإنجليزية وأن ترجمته العربية صدرت أخيراً عن دار الآداب في بيروت وقد نقله إلى العربية عمر سعيد الأيوبي،

ويطغى على الكتاب بمجمله دفء له أن يبدد البرودة والقسوة والوحشية الصفات التي تظلل أفعال قوات الاحتلال الاسرائيلي وتحديداً في فترة اجتياح رام الله عام 2002 البؤرة الرئيسة في الكتاب رغم كونه بمجمله سرداً ليوميات تمتد بين 1981 و.2004 يبدأ الكتاب بعبارة تتيح للقارئ معرفة ما ينتظره «طردتمونا من يافا، ثم تتساءلون كيف ولدنا في مكان آخر!»،

ولنمضي بعد ذلك خلف إجابات الرواية عن أسئلة ضابط الأمن الاسرائيلي في مطار «اللد» ومزاج العامري غير الرائق، بمعنى أن تجيبه باقتضاب، بينما تقول لنا نحن القراء إنها لا تريد أن تقول له الحقيقة وأضرب مثلاً على ذلك كأن يسألها الضابط «كيف ولدت دمشق؟»،
 
لتجيب «لم يكن مزاجي رائقاً لأخبر ضابط الأمن أن قلب والدي الذي قدم من يافا إلى بيروت سنة 1940 خفق لحظة رؤية أمي الدمشقية...»، ولتجيب عن سؤال آخر «هل عشت في دمشق؟»، لتقول وبنفس اللازمة: «لم يكن مزاجي رائقاً لأخبر الضابط بأن والدتي المدمنة على العمل،
 
كانت تملك داراً للنشر والطباعة، ودأبت حتى بلوغي الثامنة عشرة من العمر.. على أن ترسلنا لدى والديها في دمشق أو إلى أقاربها في بيروت». تلك هي بداية كتاب العامري الذي نصفه بأنه مليء بالالتقاطات الخاصة والذكية القائمة على المفارقة، وعلى مزج التاريخي باليومي،
 
والشخصي بالعام، كأن تعلق العامري على القهوة الاسرائيلية التي تصفها بـ«الموحلة» قائلة لضابط اسرائيلي: «انظروا إلى الايطاليين والاتراك والفرنسيين، أصبح لديهم جميعاً قهوة جيدة بعد أن أدركوا أن من الممكن أن يستمتعوا بعيشة هانئة دون احتلال الآخرين».
 
شيء آخر سيطالع القارئ وهو يمضي في صفحات الكتاب، يتمثل بالسلاسة والرشاقة، والتنقل بين المشاعر الشخصية والاستنتاجات والمشاهدات وتوثيقها، كما أننا ومن الربع الأول من الكتاب يتشكل لدينا إلمام بشخصية الراوية، أي سعاد العامري المهندسة المعمارية المؤسسة لمركز «رواق» للحفاظ على التراث المعماري الفلسطيني،
 
دون أن يفارق كل مشاهده حس الفكاهة والطرافة، لتقول لنا ما عشته في رام الله شيء يدفع للرثاء والضحك، مثل تصويرها تدخل الحاكم العسكري الاسرائيلي في علاقتها الغرامية مع زوجها ومن ثم الرئيس الراحل ياسر عرفات «كنت تائهة، وأردت أن أصدق أن عرفات وجاري والحاكم العسكري متعاطفون جميعاً مع قصة غرامي».
 
وكذلك الأمر بوصفها علاقتها مع حماتها التي تنتشلها من بيتها الذي يقع على مقربة من مقاطعة الرئيس عرفات ومن ثم معاناتها الطريفة معها والمتناغمة مع حظر التجول، وصولاً إلى نهاية الكتاب وزيارتها هي وصديقتها ليلى جدار الفصل العنصري، وزيارتهما لحديقة الحيوان في قلقيلية معلقة «بدت الزرافة غير مكترثة حيال الوضع السياسي، ربما لأنها تستطيع الرؤية خلف الجدار». 

ويتيح لنا الكتاب ودون معرفة شخصية وصف الكاتبة بصاحبة الروح الجميلة كون البوح ودون ادعاء موجود بقوة في الكتاب، ما حوّل الألم إلى مساحة للسخرية، وجعل من الحياة العادية مجالاً حيوياً لرصد الواقع ومفارقته برقة وشغف، بحزن وفرح
.