عشاء في السماء

 
معلقاً بين الأرض والسماء ومربوطاً بالأحزمة من كل جانب تناولت العشاء على طاولة تحملها رافعة على ارتفاع 50 مترا عن الأرض تلبية لدعوة لم تكن على البال أو الخاطر من شركة «اتش بي» لحلول الطباعة والتصوير لإطلاق ثورتها الثانية في عالم الطباعة، التي ستجعل الانترنت وليس الكمبيوتر محور اهتمامها
 
وذكرني ما فعلته الشركة بما فعله رئيس مجلس إدارة شركة «فيرجن اتلانتيك» للخطوط الجوية، السير ريتشارد برانسون، خلال افتتاح الخط الجديد للشركة في فرنسا، عندما نزل وسط عاصفة من هتاف الجماهير من سطح بناية شاهقة في باريس متدلياً بالحبال.
 
ورغم أن الفكرة التي لجأت إليها «اتش بي» لإطلاق حملتها هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، إلا أن الأفكار التسويقية المبدعة ليست غريبة على دبي، فمن قبل استخدمت شركة «طيران الإمارات» مهرجان المناطيد الجوية في خمس دول وثلاث قارات للترويج لافتتاح خطها الجديد في الولايات المتحدة، وقبلها عقدت شركة «أيسر» مؤتمرا صحافيا في حلبة لسباق السيارات، بينما لجأت شركة «جيليت» إلى عقد مؤتمر صحافي في مخبأ في عمق الصحراء.
 
ونجحت شركة «تاكوبيل» الأميركية في زيادة مبيعاتها اليومية بمقدار 500 ألف دولار عندما نشرت إعلانا في الصحف يقول إن الشركة قررت شراء «تمثال الحرية»، وأشهر الكتَّاب في أكثر م  650 صحيفة تخاطب نحو 300 مليون قارئ أقلامهم  للتصدي لسيطرة رأس المال على أهم معلم تاريخي في قلعة الرأسمالية، دون أن يتنبه أحد إلى أن الإعلان منشور في الأول من أبريل، وأنه كذبة أو بمعنى أدق مزحة من العيار الثقيل.
 
وفي الحقيقة، فإن التسويق الجيد هو كلمة السر لعبور بوابة النجاح في عالم الأعمال الذي لا يتوقف عن التغيير والتجديد والابتكار، والشركات التي تعجز عن فهم ذلك  ليس لها مكان في عالم اليوم الذي لم يعد يقنع بأن تكون الشركات جيدة في ما تصنع فقط، وإنما ماهرة أيضا في الوصول إلى الجمهور المستهدف.
 
وحسب أحدث استطلاع للرأي أجراه المعهد الأميركي للدراسات التسويقية فإن 31% من مديري الشركات الأميركية ممن شملهم الاستطلاع يعتقدون أن الخبرة التسويقية تتصدر قائمة المواصفات التي يجب أن يتحلى بها الجيل القادم من قادة الأعمال، فيما جاءت الخبرة المالية في ذيل القائمة.
 
وبالعودة إلى ما ابتدأنا به، وإذا كان هناك شيء يمكن استخلاصه من هذه التجربة المثيرة، فهو أن دبي لم تعد فقط مركزا للمال والأعمال والسياحة والمعارض والعقارات، وإنما أصبحت بكل تأكيد معملا لتفريغ الإبداعات والخبرات والكفاءات التسويقية، وإذا كان نقل التكنولوجيا عاملا حاسما في تحفيز التنمية الاقتصادية، فمما لا شك فيه أن نقل الخبرات لا يقل أهمية عن تدريب وتأهيل الشركات المحلية الباحثة عن موطئ قدم في الخارج للتنافس في عالم بلا حدود، البقاء فيه للأذكى والأقدر على جذب قلوب وعقول الجماهير وليس فقط انتباههم.