لارا بلدي: أغراض الإنسان أهم منه


«يترك غبار الزمن أثره على الأشياء المهجـورة، ليوضـح القصـص خلفهـا، وليس ليحدد الوقت».. شكلت هـذه الفكـرة المحـور الأسـاسـي لأعمـال الفنانـة لارا بلـدي التي قدمتهـا في معرضهـا الاول بدبـي في 12  غاليري، بحيث يأخذ الوقت مع بلدي مفهوما مغايرا لحسابات السنين والايام، فاسم المعرض «سيرفيس أوف تايم»، او «السطح الزمني»، يشير الى ما يتركه الزمن في داخلنا من اثر عبر الاحداث المتكررة، والمتشابهة والمختلفة في الوقت ذاته.
 
تلتقط بلدي، المصرية الجنسية، عديدا من الصور للمشهد نفسه في اوقات متباينة واوضاع مختلفة، وتجمعها على نسق صورة واحدة لتروي بها القصص التي لا يراها الناس خلف الاشياء، داعية الناظر للتوقف عند التشابه بين الاحداث التي تمر في حياة الانسان اليومية، وليس عند الاختلاف او الجديد الذي تقدمه هذه الاحداث،

ما يفسح المجال للتمتع بالصور وتخيل ما قد تحمله من قصص ومعانٍ قد يرى فيها المتلقي ما هو مختلف عما رأته الفنانة نفسها. ممرات زمنية  وتؤكد بلدي ان لكل شيء في الحياة بداية ونهاية، ولكن الوقت الذي يفصل بين البداية والنهاية، يحمل في طياته احداثا وممرات يعبرها الانسان، وهي عبارة عن احداث تتكرر بطرق مختلفة ومتشابهة.
 
لذا ركزت من خلال تصويري لهذه المشاهد، على ما لا يلاحظه الاشخاص العاديين. ويأتي تصوير رواسب فناجين القهوة التي جرت العادة على استخدامها للتبصير خير مثال على التشابه المختلف للأحداث، ففي كل اجتماع عائلي يقوم الجالسون بقلب رواسب القهوة، لتأخذ ممرات تروي مصائر، وتتنبأ بأمور قد تحدث في المستقبل.
 
وكذلك الحال مع تصوير مشاهد التراب، الذي لم تلمسه الايدي عبر السنين، او المرايا والمنمنمات داخلها وما يمكن ان تصوره للمرء من تشابه في المشهد الذي هو مختلف اصلا.

هذا بالاضافة الى اعتماد مخلفات المنازل القديمة وكتابات الجدران، والاواني المتكسرة مادة اساسية للتعبير عن موضوعات اجتماعية ومنها الزواج والوحدة والضياع. وترى بلدي التي تعتبر نفسها فنانة بصرية، وليس مصورة «ان للوقت قوة يمارسها على الاشياء التي لا نلمسها، وهذا ما يفسر عدم الحاجة الى يد الانسان الى التغيير في كثير من الامور الحياتية، لأنها تكمل مسيرتها على نحو تلقائي».

 بساطة تصور الحكمة  لم يكن اعتماد البساطة في الصور التي قدمتها بلدي ناتجا عن محض المصادفة، لأن هذه البساطة هي الاكثر قدرة على تجسيد الوقت. قد لفتت بلدي الى ان الامور البسيطة التي نراها يمكن أن تروي قصصا كثيرة فيها من الحكمة والعبر. وأضافت بلدي  «هذا ما يفسر ابتعادي عن تصوير الانسان، فهو ليس مهما بالنسبة لي، بقدر اهمية اغراضه التي تروي تفاصيل حياته، فالأشياء التي يستخدمها المرء في الحياة تعبر عنه.

وبالنسبة لي عندما ارى الاشياء القديمة والمتروكة او المكسورة تمنحني شعورا بما قد تحمله خلفها من ذكريات ادت الى بقائها ووصولها الى هذه الحالة، لأنه بإمكان التفاصيل الصغيرة ان تروي قصص العالم.  اما التحميض المختلف بين صورة واخرى، بحيث يكون لامعا او جافا يشبه المرايا وكأنه نافر من الصورة، فهو يتبع فكرة الصورة الاساسية».

وتؤكد بلدي «ان هذا يعزز قدرة الصورة على اثبات واقعيتها، لأن اللمس يجب ان يتناسب مع الشعور والنظر». وبعيدا عن التحميض، كان لافتا في المعرض السجادة الكبيرة التي تصور ام الدنيا، بحيث جمعت المصورة اكثر من صورة تجسد تاريخ الفراعنة على قاعدة من الصحراء، وقد اخذت تدرجات الالوان من خلال الكمبيوتر، ونسجت السجادة بطول 860 سم، وعرض 260 سم، لتقدم فيها حلم الفنانة.
 
 

بُعد تصويري 
تأخذ الصور مع الفنانة لارا بلدي ابعادا تتبع التأويلات التي تحتملها، فلا يمكنها ان توصل رسالتها من خلال صورة واحدة، لذا تعمل على اكثر من حالة، مما يعني ان الصورة ليست النتيجة النهائية لعملها، بل هي مجرد اداة تستخدمها الفنانة لتركيب الفكرة ورواية القصة
.