«البراويز».. عالم مؤطَّر على الجـدران

 

تشغل اللوحات والصور حيّزاً جمالياً في المنزل، بحيث تضيف إليه رونقاً مميزاً، وبخاصة حين تكون متناسقة ومنسجمة مع بيئة المنزل، لتكون انعكاساً لاهل البيت. وتطورت صناعة الاطار للصور واللوحات «البراويز» وتغيرت حيث كان اللون الذهبي الطاغي في حين تتنوع الأشكال، كما تختلف وفقاً للحضارات والشعوب والخلفيات الثقافية. لكنها في نهاية المطاف تحمل الكثير من الجماليات، وتجمع صورا،ذكريات حميمة، أولوحات تلخص العالم وجماله في مساحات صغيرة.


يروي أحمد سكر، رسام لبناني، أن «الإطار أو «البرواز» في العصر الإسلامي تضمن الكثير من الزخرفة والتفاصيل، في حين تمرس الإيطاليون في صناعة الأطر في العصر الحديث ليمسوا أكثر الشعوب إبداعاً وابتكاراً بخاصة لتأثرهم بالفن الروماني»، ويضيف أن الصينيين برعوا في ابتكار اشكال متعددة من الاطر.


وبحكم عمله في مجال الرسم، يشرح سكر أن الإطار كان يسمى بـ«الكورنيش»، والذي يزيّن أسقف الجوامع وحيطانها، غير أن أهميته وقيمته بدأت تتراجع وتضمحل مع مرور الأيام، بحجة أنها تأخذ أو تسرق من جمالية الصورة واللوحة الفنية. وعلى الرغم من أن الصورة والإطار يشكلان لوحة فنية متكاملة، تحول الرسم أو الصورة محط الأنظار والاهتمام، فيما أصبح الإطار مكملاً ثانويا في بعض الأحيان، ويقول إن «الزخرفة الإسلامية لعبت دوراً كبيراً في الفن الإسلامي، وما زالت حتى يومنا الحالي، إلا أن الرسم او الصورة أصبح الأساس في أي لوحة».


في المقابل، تخلى بعض الرسامين الجدد عن الإطار بحيث رأوا الفن الحقيقي والمعبر في القماش المرسوم، وليس في «القطعة الزائدة» أي الإطار. 


تختلف أنواع الأطر والبراويز وفقاً لموضوعات اللوحات ومدارسها؛ ويرى سكر، الذي يشارك بصفته رساما في الجناح اللبناني في القرية العالمية، أن اللوحات التجريدية والتعبيرية لا تحتاج إلى إطار، ما يعني أنها ستظهر رخيصة ومن دون أي قيمة فنية، في حين تتطلب لوحات الفن التقليدي مثل المناظر الطبيعية و«البورتريه» إطارات تتناسب مع الموضوع من حيث اللون والحجم. ومن المفارقات بين الماضي والحاضر، أن الأقدمين اهتموا  بتكبير الإطار وزيادة زخرفته، ليصل عرضه إلى 20 سنتمترا، غير أن ربع هذا الرقم هو الشائع في براويز هذا العصر الذي يولي أهمية للسرعة والسهولة. 


ومن ناحية أخرى، يشير سكر إلى «أن الثقافات والتوجهات تؤثر في ميل الناس إلى اقتناء البراويز واللوحات، فاللبنانيون المتأثرون بالثقافة الغربية لم يعودوا يحبونها ويفضلون اللوحات «العارية»، أو «السحب» إلا إذا كان الرسم ذا قيمة فنية وتاريخية كبيرة، ولا يتعدى عرض الإطار عن  سنتمترين.


ويوضح سكر أن وضع الأطر يختلف  بين اللوحات المرسومة بألوان زيتية، أو مائية، أو حتى الرصاص؛ فبالنسبة إلى الأولى، يتوجب وضع القماش مباشرة على الإطار الخشبي، في حين يتطلب ترك مساحة تتعدى الـ 15 سنتمتر بين القماش أو الكرتون والإطار، فيما تحتاج اللوحة الرصاصية إلى إطار بسيط يتماشى مع بساطة الرسم.


أنواعها وأشكالها
تمنح الإكسسوارات من لوحات وبراويز ومجسمات، قيّمة جمالية وتزينية للمنزل وتجعله مكاناً متناغماً ومنسجماً وأنيقاً، وتتنوع ديكورات الأطر من حيث الشكل والتصميم، وتختلف وفقاً للأزمنة والعصور، كما يرتبط لون الإطار بلون اللوحة. في القدم، سيطر الإطار العريض والذهبي اللون على اللوحات ليكون الموديل الطاغي والذي يعطي قيمة أكبر للرسم وموضوع اللوحة الكلاسيكي والتقليدي، لكن الألوان تبدلت وصارت أكثر تنوعاً بدءاً من الألوان الغامقة إلى الأكثر حيويةً، ثم تغيّرت المقاييس الجمالية مع اللوحات التجريدية والعصرية تدريجياً حيث بدأ الإطار يختفي أو يندمج مع اللوحة في بوتقة واحدة متناغمة ومتوازنة مثل البرواز الأسود في لوحة تحكي عن الليل وأخضر للدلالة على الطبيعة أو أزرق للبحر والسماء وأحمر للحب.    


وعن المواد التي تصنع منها الأطر، يعطي الإطار الخشبي قيمة كبيرة للوحة، يليه المعدني مثل الحديد أو الفضة، ويمكن تلبيس الإطار الخشبي بالفضة مثلاً كما في اللوحات المعروضة في الجناح التونسي في القرية العالمية والذي يعدّ من الصناعات التقليدية في تونس. في المقابل، توجد في الأسواق براويز جميلة ورخيصة الثمن مثل البلاستيك و«الفيبرغلاس» أو الزجاج والتي تتماشى مع أنواع ومقاسات اللوحات اللوحات، كما برزت ألوان جديدة وأشكال عدة للجدران ولم يعد اللون الواحد هو الطاغي أو الأنسب، بحيث يمسي الجدار واللوحة جزءاً واحداً متكاملاً. في المقابل، يفضل ترك اللوحات المرسومة على الأقمشة من دون إطار للمحافظة على فخامتها ورقيّها، كما يمكن وضع إطار أو برواز من القماش نفسه.


بين الماضي والحاضر
اشترى محمد، مواطن إماراتي يعمل في مجال العقارات، لوحة من القرية التونسية خلال زيارته الأخيرة إلى القرية العالمية، وقال « إنه أعجب كثيراً بها لأنها تجمع بين حضارة الشعب الخليجي والفخامة» ؛ وهي عبارة عن شجرة نخيل مصنوعة من الفضة الخالصة موضوعة في لوحة من الخشب الملبس بالفضة، ويضيف أحمد أنه « أعجب بالإطار وتدرجاته وبعده عن شجرة النخيل ما يعطي جمالية للوحة بوصفها قطعة لافتة». في حين أعجبت زوجته عليا، ربة منزل، باللوحات التي تتضمن آيات قرآنية غير أنها وافقته الرأي من ناحية جمالية اللوحة وقدرتها على لفت انتباه المرء.


أما جمال، لبناني مقيم في الإمارات منذ خمسة أعوام، فيحب المدرسة التقليدية في الرسم، حيث المناظر الطبيعية لذلك يفضل التركيز على اللوحة المرسومة والإطار معاً، لاعتقاده بأنهما يكمل أحدهما الآخر، كقطعة واحدة متصلة ومتناسقة. ولكنه يعتقد « أن الإطار قد يقلل من قيمة الرسم أو يأخذ بريقه، ويرى أن الأذواق تتحكم إلى حد كبير باللوحات الفنية ونوعيتها وقيمتها». وتشاطره الرأي حنان، فلسطينية(27 عاما)، قائلة «تعبر اللوحة الفنية عن ذوق  مقتنيها ورغباتهم، من ناحية الموضوع أو الشكل أو الحجم، غير أنها تفضل اللوحات الغريبة وغير المفهومة واللافتة في الوقت ذاته، لذلك تحب الألوان القوية والبراويز النافرة والمزخرفة، والتي تتناسق مع أثاث بيتها العصري والحديث».


وعلى عكسها، تملك أماني، لبنانية في العقد الثالث من عمرها، لوحات كلاسيكية باهظة الثمن تعبر عن الفخامة والرقي من ناحية القماش المستعمل والألوان الزيتية والإطار الذهبي اللون. وتشرح أن «الإطار الذهبي يمنح اللوحة قيمة أكبر وكأنها تحيط الرسم بهالة من النور والرقي، لذلك تحرص على شراء هذا النوع من اللوحات، ولأنه يتناسب مع ديكور منزلها وأثاثه الكلاسيكي والهادئ».


يكشف علي، إيراني يعمل في مجال العطور العربية والشرقية، أنه يعشق اللوحات التي تحكي سيرة الفن الإسلامي حيث أشار إلى اهتمام الشعب الإيراني باللوحات القرآنية المتقنة والمزخرفة، مفسراً أن «الاهتمام بالإطار يوازي اهتمامهم باللوحة نفسها لأن الأمر يتعلق بدينهم»، وتتفق معه ماري، لبنانية تزور ابنتها المقيمة في دبي، وتشرح أنها «تحب الأيقونات لأنها تجسد صورة السيد المسيح والقديسين، ما يعني أن صناعتها تتطلب نوعاً من الجهد والتفنن». أما بالنسبة إلى إطارات اللوحات الدينية، فتضيف ماري أن الإطار يعكس أهمية الرسم وقيمة الدينية والفنية في الوقت ذاته. 


أما الطفلة ريهام، مصرية وتبلغ 10 من عمرها، فتحب تزيين الإطارات الخشبية للصور العائلية لجعلها أكثر مرحاً وحياةً، وتقول «تعلمت في حصة الرسم والتزيين في المدرسة كيفية لصق حبات الخرز أو الأزرار على الإطار». مضيفةً أنها زينت أحد الإطارات بالمعكرونة الملونة ما أعطى نكهة طيبة ولافتة. 


وكذلك، تتفنن فاتن، مراهقة سورية تعيش في دبي مع عائلتها، بتزيين إطارات الصور وتحولها من إطار خشبي وممل إلى إطار لافت للأنظار ،حيث ترسم عليه بالألوان أو تلصق أحجاراً صغيرة وبراقة. وبسبب براعتها وحبها لهوايتها، أصبحت فاتن تزين البراويز وتهديها إلى أصدقائها في مناسباتهم، حيث تكتب أسماءهم بالحجارة الصغيرة، أو ترسم أشكالاً جميلة وملونة.   


البرواز المثالي
 تعبّر البراويز عن شخصية المرء وذوقه العام في مملكته الصغيرة أي بيته، كما يعكس ما في داخله من جمال وتناغم وتناسق، لذلك يتوجب مراعاة عدد من النقاط:
 

مراعاة الانسجام بين الصورة والإطار أي موضوعها، وعلى سبيل المثال يجب وضع صورة منظر طبيعي لغابة من الأشجار في إطار خشبي اللون، كما يتوجب تأمين التناغم بين اللوحة وأثاث الغرفة أيضاً.


حماية اللوحات من الضوء وأشعة الشمس وعوامل الزمن من خلال حفظها في زجاج البرواز على غرار المتاحف الكبرى. وعلى الرغم من أنه أغلى من الزجاج العادي، فإنه يمنح الزجاج المقاوم للأشعة ما فوق البنفسجية الضمانة الفعالة لحماية اللوحة الفنية وإطارها. أما أبرز أنواع البراويز وأغلاها، فهو إطار الورق القطني واللاصق الخالي من الحامض.


يمكن التنويع في تعليق اللوحات المختلفة كالرسوم الزيتية والمائية أو الصور الفوتوغرافية والأطباق الصينية،  بشرط ألا تكون مزعجة للنظر بل متناسقة، كما يمكن تعليق سيوف من دون أطر.


استبدال الجدار الأبيض بآخر مزخرف أو ملون مع لوحات وإطارات، لكن يجب تكبير اللوحات والبراويز في حال كانت زخارف الجدار كبيرة وكثيرة. 


فن التهذيب  
استخدم فن التذهيب في العصور القديمة، ونال شهرة كبيرة في الفن الإسلامي، حيث استعمل في الزخرفة والعمارة والسجاد وأدوات الطعام والزينة وكذلك في أطر اللوحات، وبخاصة في الفن الإيراني، في حين يقتصر التذهيب في هذه الأيام على المصحف وبعض الكتب الدينية والآيات واللوحات القرآنية، بخاصة بعد ظهور المطبعة وتطور عملها والتقنيات التي تقدمها.

وعلى الرغم من ذلك، يحرص كبار رجال الأعمال النافذين وأهل السياسة والفن والمشاهير والأغنياء على اقتناء اللوحات والأطر الذهبية اللون الفخمة، بغية تزيين بيوتهم ومكاتبهم،لأن اللون الذهبي يضفي رونقاً وفخامةً للبرواز ويزيد من قيمة اللوحة ومحتواها.  
 

أفكار سهلة وبسيطة

بغية التخلص من رتابة البراويز العادية وجعلها أكثر حياةً وجمالاً، ها هي بعض الأفكار البيتية التي يمكن تطبيقها في المنزل، مستعينين بأشياء بسيطة وغير مكلفة لتزيين الرسومات:

 لصق الخرز والأزرار الملونة على البرواز بطريقة فنية وجميلة أو أشكال صغيرة مثل مجسمات.
 

استعمال أعشاب أو نشارة خشب وأصداف بحرية وزهور وورود لتزيين 

الرسم الحر بالفرشاة وكتابة جمل أو أسماء أو حروف.
 
الصق فسيفساء الحبوب مثل العدس، والأرز والفاصوليا، أو المعكرونة الملونة او الاصداف أو الحجارة.
 

كما يمكن صناعة برواز من خلال تفريغ الكرتون المقوى في الوسط، وبأشكال هندسية متنوعة والاستعاضة عن البرواز الخشبي أو المعدني بآخر أقل كلفة وأكثر حيوية.