ساركوزي يثير جدلا في فرنسا بشأن مشروعه لاستذكار ابادة اليهود في المدارس

 

اثار مشروع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بتكليف كل تلميذ فرنسي باستذكار طفل من ضحايا ابادة اليهود، جدلا على الفور وتساؤلات بشأن الآثار التي يتركها مثل هذا المشروع على اطفال في العاشرة من العمر.

 

وبحسب المشروع، الذي كشف عنه قبل يومين امام مسؤولين من الطائفة اليهودية، فان كل تلميذ في الصف الخامس الابتدائي (سي ام 2) وهو آخر فصل في المرحلة الابتدائية في المدارس الفرنسية، ينبغي ان يعرف بدءا من السنة الدراسية المقبلة "اسم ووجود طفل قتل اثناء الابادة".

 

واكد مختصون في علم النفس اضافة الى العديد من نقابات التعليم وبينها نقابة "سنويب-اف اي يو" (الاكبر في التعليم الابتدائي) خطر المشروع بسبب ما يوجده لدى الاطفال من "شعور بالذنب تجاه مصير طفل لا يتحمل ادنى مسؤولية فيه".

 

واوضحت ماري اوديل روسين اخصائية علم نفس الاطفال في مستشفيات باريس انه "على المستوى النفسي هذا يشكل تعديا" معتبرة ان الامر الوحيد الذي يمكن فعله بالنسبة لموضوع الابادة في مثل هذا العمر بين الاطفال هو "العمل التربوي بشكل جماعي".

 

غير ان ساركوزي دافع لدى زيارته الجمعة مدرسة في بيريغي (جنوب غرب) بشدة عن مشروعه. واكد "لا يمكن التشويش على اذهان اطفال من خلال اهدائهم ذاكرة بلد" موضحا ان الامر يتعلق "بعملية ضد كافة اشكال العنصرية وكل انواع التمييز وضد كافة اشكال الوحشية انطلاقا مما يمس الاطفال اي قصة اطفال كانوا في مثل اعمارهم".

 

ورد على "الصخب القليل" الذي اثاره الاعلان عن مشروعه مشيرا خصوصا الى انه اخذ عليه تجاوزه صلاحياته بتقديم مبادرة دون تشاور مسبق بشأنها، بان "دور رئيس الجمهورية هو الخوض في هذا الامر ايضا".

 

ولقيت مبادرة الرئيس الفرنسي اشادة من اعضاء في الاغلبية الحاكمة وبعض الاصوات من اليسار ضمنها زعيم الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند اضافة الى رئيس جمعية ابناء وبنات المهجرين اليهود في فرنسا سيرجي كلارسفيلد. غير انها اثارت ايضا احتجاجات عديدة جدا.

 

واعتبرت الوزيرة الفرنسية السابقة والمهجرة السابقة واحدى الشخصيات اليهودية  في فرنسا سيمون فاي أمس ، مشروع ساركوزي "غير عادل ولا يمكن تخيل تطبيقه اودعمه".

 

وقالت فاي (80 عاما) وهي الرئيسة الشرفية لمؤسسة ذكرى الابادة "لا يمكن تحميل اطفال صغار في العاشرة مثل هذا العبء. ان هذه الذاكرة اثقل بكثير من احتمالهم". واضافت "نحن انفسنا المهجرين السابقين، وجدنا صعوبات كبيرة بعد الحرب (العالمية الثانية) في الحديث عما تعرضنا اليه حتى مع اقاربنا. ونحن نحاول اليوم ان نجنب اطفالنا واحفادنا ذلك. من جهة اخرى هناك الكثير من المدرسين الذين يتحدثون بشكل جيد عن هذا الموضوع".

 

وتساءلت فاي التي كانت دعمت ساركوزي في الانتخابات الرئاسية للعام 2007 "كيف سيكون رد فعل اسرة مسيحية او مسلمة حين يطلب من ابنها او ابنتها تمثل ذكرى طفل يهودي؟". كما استقبل اتحاد الطلبة اليهود في فرنسا "بتحفظ" مشروع ساركوزي معربا عن خشيته من ان تؤتي المبادرة "اثرا عكسيا".

 

واعربت الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية واللاسامية عن "شكها في جدوى" هذا المشروع. واشار رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان الى "فكرة غريبة" معتبرا انه لا يمكن "فرض الذاكرة".

 

وندد الزعيم الوسطي ووزير التربية الاسبق فرانسوا بايرو ب "الخلط بين العواطف والتاريخ". كما اعتبر ان الامر يطرح "مشكلة ديموقراطية" بشأن سلطة القرار لدى الرئيس في هذا المجال.  وطلب السيناتور الاشتراكي جون لوك ميلينشون من ساركوزي "ابقاء السياسة والدين بمنأى عن المدرسة".

 

من جانبه اعتبر الفيلسوف باسكال بروكنر في مقال في صحيفة "لو فيغارو" اليمينية ان "الشبان متخمون ب (قصص) ابادة اليهود بيد ان ذلك لم يمنع صعود مشاعر معاداة السامية" معربا عن اسفه لهذه "المبادرة الخطرة".

 

وندد رجل التاريخ هنري روسو في صحيفة "ليبراسيون" اليسارية ب "تسويق الذاكرة" الذي يقوم به ساركوزي الذي يريد، بعد ان طلب في بداية العام الدراسي من كافة طلاب الثانويات قراءة رسالة الوداع التي تركها طالب من المقاومة الفرنسية اعدمه النازيون، اجبار المدرسة على القيام "بواجب تجاه ذاكرة اضحت اقل اتصالا بالتاريخ".

 

ودون ان يعلن موقفا رسميا من هذه البادرة دعا الكاتب الحائز جائزة نوبل للسلام ايلي فيسيل في مقابلة مع صحيفة "لاكروا" الكاثوليكية الى "عدم تسييس الذاكرة ولا تمييعها".