التسامح أقصر الطرق نحو قلوب الآخرين


عندما اُستكمل بناء الجامع الأزهر في القاهرة عام 972 ميلادية، تأسست معه هيئة كبار العلماء لتضم شيوخا وعلماء من جميع الدول الإسلامية، وكانوا ينتخبون شيخ الأزهر ووكيله من بينهم، وتغير هذا الأمر في عام 1961 عندما حلّ الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر هيئة كبار العلماء، وتأسس بدلا منها مجمع البحوث الإسلامية الذي اقتصرت عضويته على المصريين، رغم أن لائحته لم تشترط ذلك، حيث تنص اللائحة على ألا يزيد عدد أعضاء المجمع على 50 ولا يزيد عدد غير المصريين فيه على .20


ومنذ ذلك الحين، لم يصادف أن دخل أحد من غير المصريين المجمع، باستثناء الشيخ الجزائري الجنسية الخضر حسين، لكن قراراً أخيراً صدر من المجمع وبموجبه وافق على عضوية الشيخ السيد علي الهاشمي، مستشار الشؤون الدينية والقضائية في وزارة شؤون الرئاسة بدولة الإمارات، ليكون بذلك أول إماراتي وعربي غير مصري يدخل عضواً في مجمع البحوث بالأزهر. إن دخول الشيخ الهاشمي في عضوية المجمع، يُعد مكسباً لدولة الإمارات، لكنني لست هنا بصدد مدح الشيخ الهاشمي لكوني إماراتياً، فسماحته ليس بحاجة إلى مدحي له، ولكن ومن باب الإنصاف، فهذا الرجل وبالتأكيد لم يتم اختياره في مجمع البحوث بالأزهر لولا مؤهلاته العلمية وخبرته الطويلة وشخصيته الرزينة المعتدلة المتسامحة، فهو أحد رجال الدين الإسلامي القلائل الذين تجدهم في مناسبات واحتفالات أصحاب الديانات الأخرى دون حرج، ليشاركهم مناسباتهم وليرحب بهم على أرض الإمارات التي لم تعهد سوى لغة التسامح الديني على مر عصورها، إلى أن بدأ الغزو الفكري الرجعي في الدخول إلينا من خارج حدود دولة الإمارات منذ ثمانينات القرن الماضي، ليطالبنا بالترديد كالببغاوات وبالأخذ بحذافير كل ما ورد في كتب التراث الدخيلة علينا، رغم عدم صلاحيتها لعصرنا الحالي.


وكتابتي لهذا المقال إنما جاءت بعد قراءتي لبعض التطاولات في بعض المنتديات الإلكترونية من إحدى دول الخليج، التي جاءت تعليقاتها للنيل من الصوفية ومن سماحتها بعد فوز الشيخ الهاشمي بعضوية المجمع! متى يعي أصحاب تلك التعليقات ومؤيدوهم أنه يجب ألا نعامل الناس على أساس ديني فقط، بل يجب أن نعاملهم على أساس فكرهم ورؤيتهم للآخرين من غير دينهم وقدرتهم على التعايش معهم، ولهذا فإنني أشفق على هؤلاء واعتبرهم قاصري نظر، ولا أستطيع أن أجزم اذا كان شكل هؤلاء بشعاً حقا أم انه اكتسب صفة البشاعة من وراء أفكارهم وأفعالهم الشائنة التي أدت إلى تقبيح أشكالهم، وبحثهم عن كل ما ينكد عليهم حياتهم، وعزل أنفسهم والنظر بكل حقد إلى الآخرين.


الإنسان بطبعه ليس غبياً ولكن يمكن استغباؤه بسبب أن الجهل هو المستشري لدى البعض وليس الغباء في أغلب دول المنطقة، وهذا الجهل يؤدي إلى قمع العقل، وقمع العقل يؤدي إلى قمع الثقافة، وقمع الثقافة يؤدي إلى دعم التخلف.
 

salem@dcc.ae