«تمر هندي».. يروي الظمأ ويخاطب الحواس

 

باعة جوالون ينادون على مشروب ارتبط اسمه بالهند، بينما يمثل بنكهته تراث وتاريخ مهنة توارثها البعض، وآثروا الحفاظ عليها بما تحمله من مضامين تراثية وشعبية سواء من حيث الزي او البساطة التي تطبع  العاملين فيها. يرتدون الزي التراثي ويتمشون امام القرية السورية المشاركة في القرية العالمية ضمن مهرجان دبي للتسوق،
 
ينادون على مشروب يروي ظمأ المارة المتجولين بين القرى المختلفة، حاملين الابريق المزين بالليرات المتدلية من السلاسل التي تحدث اصواتاً، ما يمنح الابريق بعداً صوتياً يضاف الى النكهة والطعم الذي يحمله، ليخاطب بذلك حاسة السمع علاوة على مخاطبته الحواس الاخرى. عدة خاصة ورث زياد شيخو هذه المهنة عن والده، الذي بدوره ورثها عن اجداده، ويقول: «نحن نتوارث هذه المهنة التي تعتبر من تراث الشام منذ 100 عام، فـالابريق الذي احمل  يبلغ عمره 300 عام جـلبه جـدي من تركيا، وهو مصنوع من النحاس «المبيض» الذي يضمن عدم تأكسد مشروب تمر هندي».
 
 ويلفت شيخو الى «أن الابريق خضع للكثير من التعديلات، ومنها الزينة الموضوعة عليه». ويتابع شيخو «لا تقتصر عدة بائع التمر الهندي على الابريق الذي يضع فيه المشروب، بحيث نضع على الخصر حمالة اكواب مصنوعة من النحاس ايضاً، وإبريق ماء صغيراً، يستخدم لغسل الاكواب. إضافة الى «التكاية» المصنوعة من جلد الجمل التي توضع على الخاصرة وتعزل الابريق عن الجسم كي لا تتأذي الكلية من برودة الابريق.
 
 اما وزن الابريق فيقارب الـ50 كلغ، ويوزع ثقله على اعضاء الجسم كاملة عبر الحزام الذي يوضع وسط الكتف». ويؤكد شيخو «انه لا يمكن لأي كان أن يعمل في هذه المهنة لمصاعبها، ويظهر على من لا يتقنون المهنة الانحناء في الظهر بسبب انعدام قدرة السيطرة على الوزن الثقيل».
 
فوائد صحية وما يلفت الانتباه هو ان هؤلاء الباعة يستطيعون ان يعطونك الكثير من المعلومات الغذائية والتاريخية حول هذه النبتة وحول المشروب، اذ يشرح لنا شيخو قائلاً: «ان هذه النبتة تزرع في الهند، وتشبه ثمرة التمر، لذا نطلق عليها اسم التمر الهندي، وهي موجودة في بلاد اخرى منها الامارات لكنها تعرف تحت اسم سبار، وهي شجرة تشبه شجرة النخيل. اما اعداده كمشروب منعش فيتم عبر نقع هذه الثمار في الماء مدة 24 ساعة، مع اضافة السكر او العسل لتحليته، ثم يوضع في الابريق مع الثلج ليبقى بارداً. وأثناء تقديمه يضاف اليه نقاط معدودة من ماء الورد لاضفاء نكهة طيبة ورائحة جيدة».
 
 ولا يخفي شيخو سر اعداد هذا المشروب، و يؤكد قائلاً: «المقادير محددة ولا اخفيها او اعتبرها سر المهنة لاني سبق وأعطيت الوصفة لكثر، الا انهم لم ينجحوا في اعداد شراب يحمل نكهة  المشروب الذي اعده بنفسي، فالخبرة تلعب دورها في هذا المجال».
 
ويتابع «يحتاج كل كيلو من التمر الهندي الى أربعة  ليترات من الماء، ويجب ان ينقع مدة 24 ساعة، ثم يصفى ويضاف إليه ما يحليه. وهناك  عدة درجات من التمر الهندي، اذ يقسم الى ثلاثة انخاب، وتتميز هذه الدرجات عن بعضها بعضاً من حيث الطعم، لذا لا استخدم سوى النخب الاول».
 
ولا تنحصر معلومات بائع «تمر هندي» بحذافير تطبيق المهنة بل تتعدى ذلك للشرح عن فوائد «تمر هندي»، اذ فصلها شيخو بالقول: «يعمل تمر هندي على تنشيط الدورة الدموية، وخلايا المخ، ويحتوي على الكثير من المواد المفيدة في غسيل المعدة. كما أنصح مرضى السكري بتناول 50 ملل من التمر الهندي غير المحلى فهو مفيد لمرضى السكري». فلكلور شعبي «يا سمرة يا تمر هندي»، «انا بياع الطيب يا طيب»، « تمر هندي من عندي»، و«التمر هندي بيطفي الشوب يا يوب»،
 
بهذه العبارات ينادي عيسى سمعان على مشروب التمر الهندي، مشجعاً الناس على تذوقه. ويعتبر سمعان الذي يعمل في هذه المهنة منذ 15 عاماً، والتي ورثها عن جده «انها هذه المهنة ليست مجرد مصدر رزق له، لانها تعتبر نوعاً من انواع الفلكلور السوري الشعبي، فمن المتعارف إليه انها تزاول في الاسواق الشعبية ومنها سوق الحميدية، بالاضافة الى ان الزي الذي نرتديه هو زي خاص وتراثي وهو عبارة عن صدرية وشال وشروال وكسرية «الحذاء الخاص ببائعي التمر الهندي»،
 
 بالاضافة الى الطربوش الاحمر، ويشبه هذا الزي الى حد كبير الزي الذي كان يرتديه الممثل السوري دريد لحام في تأديته لدور غوار». وأكد سمعان ان لهذه المهنة مواسم خاصة يكثر فيها الطلب على المشروب المتميز بطعم حامض وحلو في الوقت ذاته. ويعتبر شهر رمضان المبارك من ابرز هذه المواسم، وكذلك  فصل الصيف حيث يكثر الطلب على المشروبات المنعشة، ولاسيما التمر الهندي كونه لا يضر كالمشروبات الغازية المؤذية.  
     
تاريخ ومعتقدات دينية
«تمر هندي» ثمرة موجودة داخل قرن يعمل حافظاً كالقشر، وبداخلها بذور. ويقسم التمر الهندي الى ثلاثة انواع بناء على البذر الموجود داخلها. ويتميز النوع الاول الذي يزرع في مناطق شرق الهند بالقرن الطويل الذي يحتوي على 11 بذرة، فيما يحوي  القرن الصغير الذي يزرع في مناطق غرب الهند أربع بذور.
اما النوع الثالث فيتميز باللون الوردي. وتعتبر الهند الموطن الاساسي للتمر الهندي، وكذلك يزرع في شرق افريقيا الاستوائية، وبلاد جنوب شرق آسيا. ويعتبر العرب اول من أخرج التمر الهندي الى بلادهم، وإلى العالم، وأطلقوا عليه اسم «تمر هندي»، وهو اسم مشتق من الترجمة العربية للاسم الهندي الموجود في الميثولوجيا الهندية، اذ يعتقد بالديانة الهندوسية أن التمر الهندي يرمز الى زواج الإله كريشتا، الذي تجرى احتفالاته في شهر نوفمبر من كل عام في الهند.
 
 اما خلال العهد الفيكتوري فكان الانجليز يتجولون في مناطق التبت ويضعون قرون التمر الهندي الخضراء في آذانهم لحماية أنفسهم  من تحرش اهل البلد بهم، حيث كان يعتقد السكان المحليون بأن قرون التمر الهندي الخضراء تسكنها شياطين حاقدة ومتسلطة قادرة على تأمين الحماية.