الانتخابات التمهيدية تكشف عن تصدعات في المجتمع الأميركي

 

 أكثر الامور اثارة للاهتمام في الانتخابات الاولية الاميركية من الطرفين الجمهوري و الديمقراطي هي انها كشفت عن حجم التصدعات في المجتمع الاميركي، وخلال عشرين عاما قضيتها في هذا البلد-الحديث للكاتب- لم يظهر لي ذلك بالوضوح الذي اظهرته هذه الحملة الانتخابية.

 
ففي البداية كان كارل روف الحليف الكبير للمسيحيين المتعصبين، ومديري الشركات   الليبراليين و المحافظين الجدد، قد وضع خططه بحيث يسيطر الحزب الجمهوري على الحكم في القرن الواحد والعشرين، لكن ذلك لم ينجح، اذ ان المسيحيين لهم مرشحهم «مايك هوكابي» والشركات لها مرشحها «ميت رومني»، وان الليبراليين لهم مرشحهم «رون بول» والمحافظين الجدد لهم «رودي جولياني» و«جون ماكين».

 وثمة مسافات شاسعة بين سياسات هؤلاء الرجال، حيث تفصل بينهم وجهات نظر مختلفة بصورة جذرية.


 ويتطلب الائتلاف الذي يريده روف ربط عدد من القضايا الانتخابية التي لايوجد اي قاسم مشترك فيما بينها، كما انها غير منسجمة من الناحية الفلسفية، مثل اصحاب الاسواق الحرة، والمتحمسين لتخفيض الضرائب، وكل يدعو لتحقيق مصالحه.

 
فمثلا،عندما كانت ادارة بوش تشدد على المهاجرين كانت تثير غضب مديري الشركات الذين يشغلون المهاجرين من اميركا الجنوبية باجور منخفضة، اي كل جماعة تنادي بالحفاظ على مصالحها.

 
وبالنسبة للديمقراطيين، فان مشهد الحزب الجمهوري وهو يتحرك وكانه حكومة ائتلاف ايطالية على شفا الانهيار، كان ذلك يجعلهم يشعرون بالسعادة، ومع ذلك، ورغم انهم يظهرون شماتتهم بالجمهوريين، بدت الصدوع تظهر في صفوفهم، والتي كانت اكثر عمقا وقتامة مما عليه الحال لدى الجمهوريين، وليس على القضايا السياسية التي يختلفون حولها، اذ ليس هناك اختلاف يذكر بين البرامج الصحية لكل من باراك اوباما وهيلاري كلينتون، او الاقتصادية، او خططهما المتعلقة بالخروج من العراق. ودخل الديمقراطيون الى الانتخابات. وقاموا بتحويل  مشكلات بسيطة مثل سيرة الحياة والمزاج الى مشكلات كبيرة.


 وبدلا من مواجهة المشكلات الاثقل وزنا كان الخلاف على السن (او الخبرة كما تسميها كلينتون) او اللون او الجنس، الامر الذي يحدد نوعية الناخبين لكلا المرشحين.

 
واكثر المناقشات التي شاهدتها اثارة حول هذه  الانتخابات هو فيلم في محل تصفيف شعر في كارولينا الجنوبية، حيث يوجد عدد من النساء لا يتحدثن عن الاقتصاد او الصحة وانما عن العرق، ولون البشرة. وكانت الاتهامات الشخصية بين كلينتون واوباما تنتشر مثل النار في الهشيم في الحزب الديمقراطي ككل.

 
وتم التعامل مع الموضوع العرقي بصورة مثيرة للاشمئزاز، وركز اتباع كلينتون على الاسم الوسط لباراك (حسين) في مسعى منهم لاظهار ان الرجل له علاقة بصدام حسين بطريقة ما.

 
وسرت شائعة مفادها انه مسلم بطريقة سرية على مواقع الانترنت.

 من جانبه، قام كاتب الـ«واشنطن بوست» ريتشارد كوهين المؤيد لكلينتون بكتابة مقالة قال فيها ان اوباما قد يكون «معاديا للسامية»، لان كنيسة شيكاغو التي يتبع لها  اوباما امتدحت لويس فرخان، الامر الذي اعتبر رسالة لليهود بانه من الافضل والاسلم لهم انتخاب كلينتون.

 
وقبل نحو اسبوعين وعد اوباما الاميركيين بانه سيعمل على علاج الجروح العرقية في اميركا، ويجعلها غير قابلة للانقسام. فهل هي حقا غير قابلة للانقسام؟  ولكن ثمة انقساما اجتماعيا رئيسا في اميركا يتسم باهمية تعادل الانقسام العرقي ذاته الذي اثبت اوباما انه قادر على علاجه، والمتمثل بالانقسام بين المناطق المدنية، والريفية النائية.


وكان نصر اوباما على كلينتون في المناطق النائية من نيفادا،  له دلالة مهمة حول قدرته باعتباره رسول المصالحة الوطنية.