نخّاب إدغار ألان بو!

 في ال19 من يناير المنصرم، مرت الذكرى السنوية الـ200 لميلاد الشاعر والقاص الكبير إدغار ألان بو. ولم تمر هذه الذكرى مرورا عابرا، ولو من باب تأدية بعض الشعائر والطقوس المتعلقة بالكاتب والشاعر الكبير.
 
فبينما احتشد عدد من زوار ضريح بو في مقبرة الكنيسة المشيخانية في  ( بالتيمور )، تمكن زائر غامض من الوصول إلى الضريح، ليضع فوقه ثلاث وردات، وإلى جوار شاهدة القبر زجاجة خمر نصف ممتلئة، قبل أن يختفي في غبش الصباح. وإمعانا في إغاظتنا، نكتشف أن حكاية هذا الزائر « النخّاب»تعود إلى العام 1949 من القرن الماضي، وأن الزائر يتغير بعد سنوات، حيث يقوم بتسليم هذه المهمة إلى أحد سواه، وغالبا ما يكون ابنا أو أخا أو صديقا من محبي شاعر  « الغراب».
 
 وإذا دققنا قليلا، فسوف لن تدهشنا زجاجة الخمر نصف الممتلئة، أو نصف الفارغة! ولكن ما يدهشنا هو هذا التواطؤ المعلن من قبل القيِّم على الضريح والمقبرة، حيث غالبا ما يحاول اصطحاب الزائرين في تلك اللحظات، إلى جولة في الكنيسة، لكي يتيح الفرصة كاملة لنخّاب ألان بو، لأجل تأدية شعائره وطقوسه، المتمثلة في التقدمة السنوية.
 
كنت أتوقع أن تكون الوردات أربعا لا ثلاثا، بالنظر إلى حياة ألان بو التي استمرت أربعة عقود فقط، حيث توفي في الأربعين من عمره. لكن الزائر الغامض ـ ربما ـ  يعتقد أن الوردة الرابعة غير المرئية موجودة في الضريح، وهي (بو) نفسه. وإلا فلماذا يضع زجاجة خمر نصف ممتلئة إذن؟ أليس من أجل بو الذي لعبت الخمرة دورا كبيرا في حياته وموته؟
 
مثل هذا الطقس وهذه الشعيرة، يحتاجان إلى مجتمع يدرك أن الكاتب أو الشاعر يتحول ثروة قومية، ورمزا من رموز الوطن والأمة نفسها.  كم عاصمة أو مدينة عربية ذهبنا إليها، ولم يأخذنا أحد ـ في مناسبات ثقافية ـ إلى ضريح كاتب أو شاعر؟  لم يذكر لنا أحد في القاهرة اسم طه حسين وأحمد شوقي ويوسف إدريس.
 
 ولم يفكر أحد في دمشق في اصطحابنا إلى أضرحة نزار قباني وهاني الراهب وغسان كنفاني. ولم نذهب إلى أضرحة جبران خليل جبران وميشيل طراد وعاصي الرحباني. ولم نر ضريح السياب أو أبي القاسم الشابي. ولم ولم...  وقد يتساءل البعض عن جدوى ذلك كله، فنحيله إلى تأثير الشعيرة الطقسية في الرمز، تلك التي أشار إليها (مارسا إلياد)،
 
حين قال «إن رؤية العلم الوطني في حال عادية، تختلف عن رؤيته يرتفع في طقس احتفالي جمعي، حيث يكتسب الرمز في خلال هذه الشعائر قوة أكبر بكثير من الكتابة عن الرمز نفسه». نحن في العالم العربي في حاجة إلى علاقات جديدة مع هذه الرموز، تستخرجها من تحت التراب، وتنتشلها من الماضي، لتصبح قوة فاعلة في الراهن والمستقبل  
damra1953@yahoo.com