«الصناديق السيادية» تغزو الاقتصاد الغربي

 

تحدث رئيس مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بن شالوم برنانكي، ذات مرة عن احتمالية إسقاط الأموال من المروحيات إذا اقتضت الضرورة مثلاً لإنقاذ الاقتصاد الأميركي من المحنة التي ألمت به، بالطبع لم يكن برنانكي يقصد طائرات عمودية من دول الخليج الغنية بالنفط، والدول الآسيوية المتخمة بالنقد وهي تحلّق فوق «وول ستريت»، ولكن بالفعل يحلّق مثل هذا السرب هذه الأيام لإنقاذ الدول الرأسمالية.

 
ففي 15 من يناير وفّرت حكومات سنغــــافورة والكويت وكوريا الجنوبية نقداً إغاثياً بقيمــة 21 مليــار دولار لمصرفي «سيتي غروب» و«مــيريل لنش» اللذين فقدا أرصدتهما خلال أزمة الائتمان التي تعــاني منها الولايات المتحدة الأميركية.

 
وليست هذه هي المرة الأولى التي يستفيد فيها هذان المصرفان من وفرات الدول النامية والمـــعروفة بـ«صناديق الثروة السيادية»، التي تجمعت خلال السنوات الحاليــة بفضل ارتفاع أسعار النفط في دول الخليج، وازدياد الصادرات الآسيوية.


69 مليار دولار

 ومنذ أن تفشت أزمة الرهن العقاري العام الماضي في أميركا، غامرت مثل هذه الصناديق بما قيمته 69 مليار دولار لإعادة رسملة البنوك الاستثمارية الكبيرة في العالم الغني.

 
وفي الوقت الذي تصل فيه احتياطات هذه الصناديق إلى 2.9 تريليون دولار، فإن طموحها يتعدى التمويل ليدخل في مجالات الاستثمار في الاتصالات والشركات التكنولوجية والكازينوهات وحتى برامج الفضاء.


ويشير أحد البحوث الحديثة إلى مدى تدهور الثـقة لدى المواطنين الأميركيين في مصرفي «سيتــي غروب» و«ميريل لنش» اللذين استعانا بالحكومات الأجنبية، حيث إن أكثر من نصف الأشخاص الذين استطلعت مجموعة البحوث التسويقية «استراتيجي ون» ذكــروا أنهم يولون ثقة أقل لـ«سيتي غروب» بعد قرارها الأخير اللجوء لصناديق الثروة السيادية الشرق أوسطية والآسيوية للخروج من عقباتها المالية.

 
وفي ما يتعلق بـ«ميريل لينش» ذكر 45% ممن شملهم الاستطلاع أن ثقتهم قد تزلزلت في البنك بعد سماعهم قبول البنك استثــمارات من صناديق الحكومات الأجنبية.

 
هذه الاستجابة السلبية للجماهير حيال الأموال التي تم ضخها لإقالة عثرة «سيتي غروب» و«ميريل لنش» وبعض مصارف «وول ستريت» جراء أزمة الرهن العقاري، تكشف عن مخاوف متنامية بشأن دور صناديق الثروة السيادية.

 
فبعد القبول المبدئي بهذه الأموال بدأ بعض الساسة، أمثال السيناتور هيلاري كلينتون، وتشاك سكومر، وغيرهما، يثيرون المخاوف حول دور وشفافية الأرصدة التي تديرها الحكومات الأجنبية، السيدة كلينتون المرشحة الديمقراطية تحدثت أمام تجمّع في نيفادا قائلة «علينا أن نعرف الكثير عنها، وينبغي أن تتمتع بالشفافية»، مشيرة لتلك الأرصدة التي تمتلكها الصناديق.

 
تدفق الأموال

 ومن النظرة الأولى يرى البعض أن الرأسمالية بدأت تؤتي ثمارها، حيث بدأت الأموال تتدفق من الدول التي لديها وفرات كبيرة منها إلى الدول التي تحتاج إليها، وبدلاً من أن تشيّد الحكومات العربية والآسيوية مشروعات كبيرة بهذه الأموال فإنها أخذت في استثمارها بشكل يصل إلى حد الاحتراف نسبياً، إلا أن هناك نوعين من المخاوف يهددان هذه الاستثمارات، الأول منها يتعلق بفشل صناديق الثروة السيادية، والثاني أكبر من ذلك، ويتعلق برد الفعل القوي الذي سيصدر من الحمائيين والوطنيين.

 
وقبل فترة من الزمن وعد الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي بحماية المديرين الفرنسيين «البريئين» من «العدوان الطاغي» لصناديق الثروة السيادية، على الرغم من أن هذه الصناديق لم تبد اهتماماً ببلاده. وعلى الرغم من أن صناديق الثروة السيادية لا تمثل سوى 2% من الأرصدة المتداولة حول العالم، إلا أنها تنمو بسرعة، وهي على كل حال كبيرة يضاهي حجمها حجم صناديق التحوّط حول العالم، وخلافاً لصناديق التحوط فإن صناديق الثروة السيادية ليست بالضرورة أن تكون مدفوعة بقوة الربح والخسارة، وباستثناءات قليلة مثل النرويج، فإن معظمها لا يكشف عن أهدافه، ناهيك عن استثماراته.

 
الصناديق نعمة

 وتعتبر هذه الصناديق نعمة بالنسبة إلى رؤساء الشركات التي يتم فيها الاستثمار، فليس أفضل لدى هذه الشركات من أن تكون مرتهنة لدى مستثمر كتوم، «طويل الأمد» لا يهمه سواء احتفظ الموظفون بوظائفهم أم لا، خلافاً لصناديق التحوط التي لها قائمة طويلة من المطالب، وقد تكون دوافع صناديق الثروة السيادية: خنق المنافسة مثلاً، أو حماية الأبطال الوطنيين، أو الانغماس حتى في إثارة المشكلات «الجيوبولتيكية»، وعلى الرغم من قوتها السوقية الطاغية فإن مديري هذه الصناديق لا يخضعون -إلا قليلاً- لمحاسبات المنظمين الماليين، وحملة الأسهم، أو حتى الناخبين، وإن مثل هذه الظروف قد تتمخض حتماً عن «تجار أشرار» كــما يرى بعض المراقبين في العالم الغربي.

 
حتى الآن لا توجد دلائل على ذلك السلوك «المزعج»، كما تسميه الحكومة الألمانية (تسمية أطلقتها هذه الدولة، لكنها في الوقت نفسه تطمح في اجتذاب صناديق الثروة السيادية)، وفي حقيقة الأمر، فإن الولايات المتحدة إما أن تكون داخل حالة من الكساد، أو قريبة منها، وقد وعد برنانكي بمزيد من التخفيضات لسعر الفائدة، إلا أن الثـقــة بالنظام المـصرفي في أدنى درجاتها.


 ترحيب مؤقت

 الترحيب النسبي الذي وجدته صناديق الثروة السيادية في أميركا قد يكون مؤقتاً، فقبل أزمة الائتمان اعترض السياسيون الأميركيون على تملك العرب للموانئ، والصينيين لشركات النفط.

 
وفي 15 من يناير الماضي ذكرت كلينتون أنه «ينبغي أن يكون لدينا مزيد من السيطرة على ما تفعله الصناديق السيادية، وكيف تتعامل».

 
وبمجرد أن تزول هذه الأزمة الطارئة فإن هذه الصناديق ستجد ترحيباً أقل، أحد صناديق سنغافورة، تيماسيك، تعلم هذا الدرس في ما مضى من إندونيسيا.

 
ولن تختفي صناديق الثروة السيادية إلى أن يتمكن الشرق والغرب من المساواة بين الفوائض والعجز في اقتصادياتهما، وســوف تســعى دول الشرق الأوســط وآسيــا ذات معدلات التوفير العالية إلى تحــرير اقتصــاداتها؛ ما يفســح المجال أمام مواطنيهــا الاستثمار لأنفسهــم بدلاً من أن يدفعوا للحكومات لتستثمر نيابة عنهم.

 
الدعم الآسيوي

واستطاع «سيتي غروب» أن يجمع أكثر من 20 مليار دولار أميركي من المستثمرين، بمن فيهم هيئة استثمار أبوظبي، ومؤسسة سنغافورة الاستثمارية الحكومية.

 
كما تلقى «ميريل لينش» أكثر من 12 مليار دولار من مستثمرين امثال تيماسيك السنغافوري، وهيئة استثمار الكويت، ورفض كلا المصرفين التعليق على هذه الأنباء، الا ان كليهما اكد أن المستثمرين الجدد اشتروا أسهماً صغيرة، ولهذا فإنهم لن يحصلوا على مقاعد في مجالس الإدارة، او اي ادوار ادارية.


 وفي الوقت الذي تعلمت فيه الحكومات الغربية السماح للقطاع الخاص بإدارة مصارف خاصة به، فإنه من غير المعقول السماح للصناديق الحكومية في الاقتصاديات النامية بشراء أسهم في تلك البنوك، حتى ولو كان بنسب ضئيلة.

 
ومن الناحية الأخرى فإن هذه المساومات العابرة للحدود من شأنها ان تمنح الدول النامية قدراً كبيراً من الأسهم المباشرة في الدول الرأسمالية المستقبلية.