الوجه الوحيد الذي يشبه «أوفيليا» في «هاملت» شكسبير

إليزابيث سيدال.. الشبح الجميل ذات الشعر الأحمر

لكل إنجاز حكايته الخاصة التي تختلف مع اختلاف صاحبه ونظرته لما يحيط به، سواء كان لوحة فنية، أو منحوتة، أو تصميماً هندسياً، أو مجموعة أزياء، أو حدثاً غير مجرى التاريخ، ومهما اختلف العمل في تركيبته والخيوط غير المرئية التي شكَّلته، والتي لا تراها سوى عين صاحبه، تبقى الشخصية الملهمة، هي المعيار الوحيد الذي لا يتغير، وتبقى تلك العلاقة الغامضة والمثيرة للجدل بها، هي الشرارة الحقيقية التي تستفز الابتكار، فمن هن الملهمات في التاريخ؟


 

من المثير أن تتشابه حكاية شخصية خيالية عالمية، مع تفاصيل واقعية لواحدة من أشهر العارضات اللاتي رُسمن تجسيداً لهذه الشخصية في تاريخ الفن، لتصبح الرسامة والشاعرة والفنانة البريطانية إليزابيث سيدال، الوجه الوحيد الذي قد يزور مخيلة من يقرأ عن «أوفيليا» في مسرحية «هاملت» لويليام شكسبير، ولتتحول لوحة جون إيفيرت ميليس، التي تحمل الاسم ذاته، إلى البوابة التي دخلت عبرها سيدال لعالم الفن.

«ليزي» أو هكذا عُرفت في دائرتها، ذات الشعر الأحمر الطويل، والعينين الناعستين اللتين وصفتا بأنهما أقرب إلى حجر العقيق في اللون واللمعان، والتي لم يعرف عنها الكثيرون إلا بعد وفاتها، استطاعت أن تتحول إلى شيء أقرب إلى الأسطورة، بتفاصيل حياة رومانسية تارة، ودرامية تارة أخرى، وكثير من الغموض الذي لف موتها. شبحها الجميل الشاحب، والكتاب الذي اختفى بين خصلاتها النارية داخل تابوتها المنبوش، وأشعارها التي لم ترَ النور، ولوحاتها السابقة لعصرها.

حاول الكثير من الأفلام الدرامية رسم نسخة مقاربة لحياتها، ولكن قد يكون من الصعب مجاراة خيال قارئ حكاية «ليزي» صانعة القبعات وصاحبة الوجه الذي ألهم أشهر رسامي القرن الـ19 من نخبة رابطة «ما قبل الرفائيلية» وهو الوجه ذاته الذي وقع الرسام دانتي غابرييل روسيتي في غرامه من الوهلة الأولى، لتبدأ بينهما منذ تلك اللحظة حكاية حب دامت لعقد كامل اختتمت بزواج قصير وانتهت بموتها الغامض.

ولدت إليزابيث إليانور سيدال، وسميت تيمناً بوالدتها، في 25 يوليو من عام 1829، في هاتون غاردن على أطراف العاصمة البريطانية لندن، ويعود كل من والدها تشارلز كروك سيدال، ووالدتها إليزابيث إليانور إيفانز، لأصول إنجليزية ويلزية، وكان والدها آنذاك يدير تجارة في صناعة أدوات المائدة، إلا أن الأسرة انتقلت إلى ساوثوورك جنوب لندن وهي لاتزال في الثانية من العمر، المنطقة التي كانت تعتبر ذات هواء غير صحي، بينما ولد بقية إخوتها الخمسة، في محل إقامتهم الجديد. وعلى الرغم من عدم وجود أية وثائق تدل على التحاق إليزابيث بالدراسة النظامية، إلا أنها كانت قادرة على القراءة والكتابة، الأمر الذي يدل على أن والديها حرصا على تعليمها منزلياً، بينما استطاعت أن تطوّر ولعها بالشعر منذ سن صغيرة، بعدما قرأت مصادفة قصيدة للشاعر البريطاني تينيسون، الأمر الذي كان حافزاً لها لتبدأ شخصياً كتابة الشعر.

اكتشاف

المصادفة البحتة هي التي أدخلت «ليزي» إلى عالم الريشة والألوان، وذلك بعد أن التقى بها الرسام وولتر ديفيريل في متجر قبعات السيدة توزر حيث كانت تعمل عام 1849، مشدوها بجمالها الأخاذ الذي وصفه بأنه كان أقرب لجمال منحوتة إغريقية من أعمال «فيدياس»، معتبراً إياها المرشحة المثالية لتجسد شخصية «فايولا» في لوحته «الليلة الثانية عشرة» المستوحاة من مشهد لمسرحية ويليام شكسبير، وهو المشهد الذي تتنكر به فايولا بملابس رجل.

المهرّج فيستي

على الرغم من أن لوحة ديفيريل التي عرفت سيدال على عالم الرسم والفنون، ليست الأشهر لها، إلا أنها تعتبر التقاطة دقيقة لبداية حكايتها، ففي اللوحة ذاتها، يجلس على يمين الدوق، المهرج فيستي، وهنا استعان ديفيريل بصديقه الرسام أيضاً في الرابطة ذاتها دانتي غابرييل روسيتي، الذي جمعته بها علاقة حب طويلة وعاصفة وثقها تاريخ الفن.

أوفيليا

للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

يمكن اعتبار لوحة «أوفيليا» للفنان جون إيفيرت ميليس، واحدة من أكثر الأعمال التي استطاعت أن ترسم وبدقة متناهية ملامح سيدال، ما جعل الشخصيتين لا تفترقان عن مخيلة من عرفهما أو قرأ عنهما، كما أنها لطالما كانت ولاتزال اللوحة الأشهر، والأكثر ارتباطاً بها، والتي تعكس تفاني هذه الفتاة ومهنيتها العالية، وقدرتها على أن تتكيف مع الظروف القاسية عند العمل على عمل فني.

لتحقيق الدقة المطلوبة في رسم مشهد نهاية «أوفيليا» غرقاً في البركة وفستانها العائم حولها، كان على سيدال الاستلقاء في حوض ممتلئ بالماء الذي يتم إبقاؤه على درجة حرارة متوازنة من خلال إحاطته بالمصابيح، وفي أحد الأيام ومع اقتراب اللوحة من الانتهاء، توقفت المصابيح عن العمل، الأمر الذي لم ينتبه إلبه ميليس الذي كان منغمساً في الرسم، بينما بقيت سيدال طافية في الماء البارد لساعات دون شكوى، ما جعلها تقع فريسة للمرض الشديد، خصوصاً أنها لم تنعم بصحة جيدة، وكانت تمر بحالات مرض مستمرة طوال حياتها، ليقوم والدها الغاضب بكتابة رسالة للرسام، إلا أن ميليس حرص على تسوية الأمر ودفع تكاليف علاج سيدال التي استردت عافيتها بشكل سريع.

ارتباط اسم «ليزي» برابطة ما قبل الرافائيلية، وتعاونها مع رسامي هذه الأخوية، لم يكن مهنياً بحتاً فقط، بل عاطفياً أيضاً، حيث كانت ودانتي غابرييل روسيتي ذو الشخصية الساحرة لا يتفارقان، ولم يكن مهووساً برسمها فقط، بل على تشجيعها أيضاً على الرسم وكتابة الشعر، واصفاً إياها بكونها تتمتع «ببساطة من عالم آخر ونقاء المُحيّا»، لتستمر علاقتهما عبر خطوبة غير رسمية دامت لـ10 سنوات، انتهت بالزواج في عام 1860.

طباعة