الأرق.. ضيف ثقـيل الظل على سريرك

النوم لساعات أطول قد يسبب مخاطر صحية أكبر. أرشيفية

مع مرور ساعات الفجر الأولى، ومحاولات النوم العقيمة، تبدأ الحوارات مع الذات، «يجب أن أستيقظ باكراً»، «أحتاج إلى النوم، وإلا أخفقت في الامتحان»، «لمَ لا يمكنني النوم ببساطة؟»، «سأشعر بالتوعك بسبب قلة نومي»، وما يرافق كل تلك الأفكار من تقلبات مزعجة، تجعل من الفراش الوثير والوسادة الناعمة سببين آخرين من أسباب الأرق الذي يصبح في أحيان كثيرة ضيفاً ثقيل الظل، إلا أن الأمر قد يتعدى ذلك لدى الأشخاص الذين يعانون من الأرق المزمن، ويجدون في الوصفات الطبية للحبوب المنومة وسيلتهم الوحيدة للحصول على قسط كاف من النوم.

وعلى الرغم من أن قيمة سوق الحبوب المنومة تصل إلى 4.5 مليارات دولار سنوياً في العالم، إلا أنها لا تعد حلاً طويل الأمد، برأي خبير مشكلات الأرق في مركز يوماس ميموريال الطبي في أميركا، وصاحب كتاب «قل وداعاً للأرق- برنامج الستة أسابيع»، دكتور غريغ جيكوبس، وهو كتاب يعد بتزويد قرائه بطرق جديدة وفعالة للحصول على ليلة نوم هانئة من دون منغصات، من خلال «جعل الناس يغيرون أفكارهم حول النوم وتطوير أساليب وعادات نوم جديدة، من خلال علاجات معرفية وسلوكية».

دراسات

يرى جيكوبس أن على المرء التوقف عن محاولة تحقيق فكرة النوم المثالي، بساعاته الثماني الكاملة، ويعتبر أن النصائح حيال حاجة جسم الإنسان إلى النوم ثماني ساعات متكاملة «خرافة وغير علمية». وبينت دراسة موسعة شملت أكثر من مليون شخص بالغ في ،2002 أعدها الطبيب دانييل كريبكي، من جامعة كاليفورنيا سان دييغو، أن النوم سبع ساعات في اليوم كان مرتبطاً بمعدلات نوم أقل، مقارنة بالنوم مدة ثماني ساعات أو أكثر، مع الوضع في الاعتبار الفترات الطويلة التي عملت الدراسة عليها، «وهذا لا يعني أن نوم ليلة واحدة من 10 ساعات قد يزيد من مخاطر الموت لدى الإنسان».

وكشفت دراسة يابانية أعدت في ،2004 وراقبت عادات النوم لأكثر من 1000 متطوع بين عمر 40 و79 عاماً خلال فترة زادت على تسع سنوات، أن الذين ناموا بمعدل تسع ساعات في اليوم واجهوا مخاطر صحية أكبر ممن ناموا بمعدل خمس ساعات، وهي المقارنة نفسها بين المتطوعين الذين ناموا بمعدل 10 ساعات في اليوم ومَن ناموا بمعدل أربع ساعات في اليوم.

وبيّنت مديرة المختبرات في مركز كيتيرينغ لمشكلات النوم، الدكتورة دونا أراند، أن من المهم للذين يعانون من الأرق أن يعوا «بأن الأرق لم يتسبب في موتهم أو يؤثر في صحتهم، وبأن جزءاً من المعاناة من الأرق يتغذى على القلق حيال قلة النوم». وذكرت أن إبعاد وتجاهل عنصر الخوف والقلق من الأرق هو الخطوة الأولى للتخلص من المشكلة. وأن من المهم عدم وضع قلة النوم سبباً رئيساً لظهور المشكلات وسوء الأحوال التي يعيشونها، «فعلى الأفراد أن يفهموا أن النوم ليس السبب الرئيس لمشكلاتهم».

تغيير المواقف

تعتمد أغلب التقنيات التي يركز عليها جيكوبس، في برنامجه لعلاج الأرق، على تغيير أفكار النوم السلبية بأخرى إيجابية، حيث تعتبر السلبية منها غير بنّاء، ومبالغاً فيها، مشيراً إلى أمثلة حول الأفكار السلبية، مثل «أخاف اقتراب موعد النوم»، أو «لا يمكنني النوم من دون حبوب منومة»، أو «سأخسر عملي إن لم أتمكن من النوم».

و أوضح جيكوبس أن تلك المشاعر والأفكار قد تتسلل إلى المرء من دون أن يشعر، ناصحاً بأن «على المرء أن يتعلم التعرف إلى تلك الأفكار والوعي بها عند التفكير فيها، واستبدالها بأخرى إيجابية»، واضعاً أمثلة للأفكار الإيجابية، مثل «أحتاج إلى ساعات نوم أقل مما كنت أعتقد»، أو «سأنام، عاجلاً أم آجلاً»، أو «بدأ نومي يتحسن شيئاً فشيئاً»، مبيناً أن «مثل هذه الأفكار وعلى الرغم من بساطتها، إلا أن لتكرارها مرة تلو الأخرى تأثير أكبر مما نتصور».

وأكد جيكوبس أهمية عدم تغيير عادات النوم في نهاية الأسبوع، مبيناً أن تغيير المواعيد يزيد من مشكلة الأرق، «فإن كنت تعتقد أن النوم فترة أطول في نهاية الأسبوع قد يعينك على تعويض ما فاتك في الأسبوع السابق، فكل ما تقوم به هو تغذية الأرق». موضحا أن أفضل طريقة للحفاظ على نوم منتظم هي في اختيار موعد محدد ومناسب للاستيقاظ، «مع أهمية الالتزام بهذا الموعد مهما كلف الأمر. وبصرف النظر عن موعد النوم، يجب إجبار الذات على الاستيقاظ في الموعد المحدد»، وإن كان هناك وقت كاف لأخذ قيلولة قصيرة بعد الظهيرة، «فأنا أنصح بذلك، حتى وإن كانت لمدة 10 دقائق فقط، إلا أنها لا يجب أن تزيد على 45 دقيقة في اليوم، وألا تكون بعد الرابعة عصراً، أو خلال الساعات الست السابقة لموعد النوم ليلاً».إن محاولة الذهاب للاستعداد للنوم والاستلقاء على السرير أملاً في النوم مبكر، وعندما لا يكون المرء متعباً بما يكفي، قد يكون سبباً في بقاء المرء مستيقظاً وأكثر انزعاجاً. وتنصح البروفيسورة المساعدة في قسم الصحة السريرية لعلم النفس في جامعة مانيتوبا، نورا فينسنت، بأنه، وفي حال عدم التمكن من النوم وبقاء المرء مستيقظاً في السرير، «عليه القيام من سريره بعد 20 دقيقة من المحاولة، وليذهب إلى مكان ما، أو ليقم بأمر ممل، ولتكن العودة إلى السرير فقط شرط الشعور بالتعب».وينصح فينسينت وجيكوبس بأهمية تحويل السرير إلى مكان للنوم وليس اليقظة، مبينين أن هناك أموراً محددة تقيد استخدام السرير في غير النوم، حيث يجب تفادي القيام بأي شيء على السرير، ما عدا الاسترخاء والراحة، «مع أهمية تفادي مشاهدة التلفاز عند الاستلقاء على السرير والرغبة في النوم، أو مراجعة الرسائل الإلكترونية على جهاز الكمبيوتر المحمول، أو التحدث على الهاتف».

البحث عن الاسترخاء

ويبين جيكوبس أنه، وكما يحتوي الجسم على عناصر تعزز التوتر والقلق، «هناك أيضاً ما يعزز التجاوب مع الاسترخاء، بينما يعمل برنامجه على تمكين الفرد من الوصول والتوجه إلى قدرات الجسم الطبيعية للهدوء والاسترخاء، ومن خلال استرخاء العضلات، والتنفس العميق عبر البطن، (وهي طريقة التنفس خلال النوم)، والتخيل الإيجابي لأمور مثيرة للهدوء، مثل مكان إجازة، أو النوم فوق الغيوم، أو على الماء، أو أي مكان يُشْعِر المرء بالسكينة والسلام، إضافة إلى تكرار كلمات مثل «استرخاء»، «سلام»، لمدة 10 إلى 20 دقيقة يومياً، ما يعين على تحويل المرء إلى خبير في القدرة على الاسترخاء ليلاً عند الرغبة في النوم، ويجب أن تبدأ التقنية من خلال إرخاء العضلات، ثم التركيز على التنفس العميق والكلمات المثيرة للهدوء وانتهاء بتخيل الأماكن الهادئة.
طباعة