زاك بوزن.. آخر عباقرة الأزياء

على الرغم من سنواته القليلة في عالم الأزياء، فإن قدرة مصمم الأزياء الأمـيركي زاك بوزن على تقـديم ما هو مبتكر وأنيق، وذكاءه في الوصـــول إلى قلوب الشهيرات، والذي مكنه من الوصول إلى العالمية، كان كفيلاً في أن يحول الابن المدلل المترعرع في «سوهو» الأنيقة من مدينة نيويورك، إلى أحد أشهر المصممين الأميركيين الشباب.

بدأ نجاح بوزن في وقت مبكر من حياته، وعلى الرغم من أنه كان أصغر من المفترض ليمتلك تجارته وعمله الخاص، فإنه استطاع أن يحظى بمقالات وانتقادات صحفية في العديد من المجلات والجرائد العالمية، والتي حولته إلى «المبدع»، و«آخر معجزات الأزياء»، كما نعت بـ«المخلص لانتكاسات الموضة الأميركية في العقد الأخير»، ما جعل ابن نيويورك المحب للأزياء من الطفولة، مضطراً إلى أن يتحول من الطفل الشغوف بالأزياء والمحب لتعلمها، إلى رجل أعمال تقوم على عاتقه مهمة «إنقاذ الأناقة الأميركية».



دمى

ولد بوزن في 24 أكتوبر من عام 1980 وترعرع في منطقة «سوهو» الراقية في مانهاتن في مدينة نيويورك مع شقيقته الكبرى، وهي المنطقة التي تحولت من منطقة مشاغل ومصانع على مدى القرن الـ،19 إلى منازل وشقق سكنية واسعة للفنانين الباحثين عن مساحات كبيرة للسكن ابتداء من ستينات القرن الماضي، متحولة إلى منطقة تعج بالمعارض الفنية، ومتاجر الموضة والمقاهي والمطاعم الراقية، ما جعله مكاناً ذا تأثير شديد في الطفل الذي عاش الفن داخل المنزل أو خارجه، مع والديه الرسام ستيفن بوزن، ومحامية الشركات سوزان بوزن، فكان اهتمام الابن بالأزياء واضحاً منذ طفولته.

شغف بوزن بالأزياء في طفولته جعله يحول اهتماماته الطفولية إلى صنع فساتين للألعاب، من مواد غريبة مثل الطحالب، وقبعات جديه المطرزة، ليقوم لاحقاً بتقديم مسرحيات ألعاب أمام عائلته، وعلى الرغم من المساندة الكبيرة التي تلقاها بوزن من عائلته في طفولته، فإنه اعترف في أحد لقاءاته بأنه كان غير مرتاح نفسياً في التعامل مع عائلته خجلاً من ميوله في اللعب بالدمى وصنع الفساتين لها، وهو صبي يفترض باهتماماته أن تكون أكثر خشونة.



غير المألوف

التحق بوزن في شبابه بمدرسة ساينت آن الخاصة في مقاطعة بروكلين النيويوركية، وهي مدرسة كانت تدمج في منهجها بين المواد الأكاديمية والتركيز على الجانب الإبداعي والفني للطلبة، بينما عرف بوزن في مراهقته، بأنه الفتى غير المألوف، بما يرتديه ويقوم به، معترفاً بأنه لطالما شعر بأنه غير قادر على «الأناقة الآمنة والمتعارف إليها»، قائلاً «لم يكن هناك قاعدة معينة لما أقوم به، إلا أنني لطالما آمنت بالبعد عن اللعب الآمن»، حيث عادة ما كان يبتاع ملابسه من المحال التجارية، إلا أنه نادراً ما كان يرتديها مباشرة، بل يحرص على إدخال لمسته الخاصة على القطع من خلال ماكينة الخياطة الخاصة به.

وعلى الرغم من غرابة الطالب بوزن، فإن صداقة كبيرة حصلت في تلك المرحلة من حياته، حيث تحولت رفيقة الفصل لولا شنابل، ابنة الرسامة الشهيرة في الثمانينات جوليان شنابل، إلى صديقة مقربة جداً، حيث جمعتهما عدا العديد من الصفات المشتركة، مشكلة محرجة، وهي مرض الصعوبة في القراءة الـ «دسلكسيا».

على الرغم من براعة بوزن الشديدة في مادة الرياضيات، فإنه كان يميل رغماً عنه إلى الفنون البصرية، حيث كان يصمم فساتين وملابس استعراضية لمسرحيات المدرسة، مستمراً في ابتكار تصاميم غير مسبوقة، بينما بدأت طلبات التصميم تحل عليه منذ كان في الـ 15 من عمره، حيث طلبت منه أخت لولا شنابل الصغيرة ذات الـ 12 عاماً أن يصنع لها فستاناً لترتديه في إحدى المناسبات، حيث قالت له إنها تريد أن تظهر كما لو كانت لا ترتدي الملابس، ليسارع بوزن في تصميم فستان لها بلون البشرة من المخمل وهو الفستان الذي أذهل الجميع خلال الحدث، ليتدرب في عام 1996 على الأزياء عبر برنامج تدريبي لدى معهد الملابس التابع لمتحف ميتروبوليتان للفن متعلماً على يد القيم هناك ريتشارد مارتن، على مدى ثلاث سنوات، حيث اطلع عن قرب على أعمال مصممين مبدعين من التاريخ، مثل ماديلين فايونيت.

كما التحق بوزن بدورات في مدرسة بارسونز للتصميم خلال دوراتها الصيفية السابقة للدراسة الجامعية، إضافة إلى دورة تدريبية مع المصممة الأميركية نيكول ميلر، بينما كان أول تصميم يرسمه بوزن في استوديو ميلر هو لقميص أبيض من قماش البوبلين (قماش قطني ضيق محاك)، وهو التصميم الذي تم اختياره ليصل إلى مرحلة الإنتاج والتنفيذ، ليحصل بعد عام على وظيفة مساعد مصمم لدى دار أزياء توكا الجديدة آنذاك.



مسار

كان بوزن قادراً على تغيير مسار حياته تماماً، عندما تم ترشيحه للالتحاق بمدرسة آيفي للنخبة والتابعة لجامعة براون في رود آيلاند، إلا أنه قرر الذهاب إلى العاصمة البريطانية لندن، والالتحاق بجامعة عريقة في مجالها، وهي جامعة سنترال ساينت مراتنز للفن والتصميم، أملاً في أن يثير إعجاب المساعد في الجامعة والذي اتصل به لتحديد مقابلة أولية للالتحاق بالجامعة، وليحظى بالقبول مباشرة بعد المقابلة.

بدأ بوزن يشعر بالفرق الشاسع بين ما تعلمه في مدرسة ساينت آن التي كانت تعتمد أسلوب الحرية في الإبداع، بينما واجه ضغطاً شديداً خلال دراسته في سنترال ساينت مارتنز التي ركزت بشدة على أهمية اكتشاف المرء لنظرته الإبداعية من خلال عادات عمل مستقلة، وعلى الرغم من النجاح والقدرة على إثارة الانطباع، والتي تمكن من تحقيقها في مجاله، إلا أن الحماسة لنجاحه لم تكن موازية لدى عائلته، مشيراً في أحد اللقاءات إلى أن عائلته على الرغم من دعمها الشديد لما أريده، فإنها لم تكن شديدة التحمس لالتحاقي بمجال التصميم كتخصص جامعي، «حيث كانت والدتي وجداي أكثر ميلاً لأن التحق بدراسة الفنون الحرة بدلاً من الأزياء».



فستان

إصرار بوزن على الاستمرار في القيام بما يحب، جعله يضطر إلى العمل بشكل مستقل للتمكن من العيش ودفع نفقات حياته في لندن، حيث بدأ العمل الخاص في التصميم وصنع التصاميم، وهو العمل الذي انتشر وازدهر في محيطه بمحض الكلام وانتقال أخباره بين الأفراد، الأمر الذي تغير تماماً عام ،2001 عندما كان أحد تصاميمه موضوع مقال في ملحق الأزياء من مجلة «نيويورك تايمز»، وهو الفستان الذي لوحظ في ديسمبر من عام 2000 في بادئ الأمر، على يد الصحفية دايزي غارنيت في حفل خاص، والذي كانت ترتديه ممثلة في الـ 16 من عمرها تُدعى باز دي لا هويرتا، والتي كانت مرافقة بوزن في الحفل لتكتب «لقد كان باللون الوردي الداكن، مصنوعاً من الحرير المغبش، ومربوطاً بعقدة من الخلف، لقد بدى كما لو كان فستاناً قد وجد لراقصة باريسية من ثلاثينات القرن الماضي، استوحت تصميمه من لوحة للرسام الفرنسي تولسو».

لحق المقال حكاية الفستان الذي صنعه بوزن في بداية الأمر للعارضة البريطانية ناعومي كامبل، والتي كانت صديقة لصديقته لولا شنابل، لتكمل غارنيت المقال، مشيرة إلى أن الممثلة جايد ميل قد استعارت الفستان لترتديه في حفل زفاف الممثلة الأميركية الشهيرة كايت هدسون على مغني الروك كريس روبنسون، حيث عرفت ميل بوزن عبر قريبتها التي كانت تدرس مع بوزن في مدرسة ساينت آن، والتي ارتدت أحد تصاميمه، لتقول إن نساء غريبات قاموا بالتوسل إليها لتقول لهم من أين حصلت على هذا الفستان، وكما تسبب بوزن في ضوضاء بسبب تصاميمه المبتكرة، تسبب المقال بالشيء ذاته، ولكن على مدى واسع تسبب في انتشار اسم بوزن في الأوساط الراقية، خصوصاً مع صنعه لفستان مصنوع بالكامل من شرائط جلدية ربطت مع بعضها بعضاً بخطافات معدنية صغيرة، والذي عرض في معرض جماعته ساينت مارتنز، ومن ثم في متحف فيكتوريا وآلبرت في لندن، متحولاً إلى إحدى قطع المتحف الدائمة.



عودة

على الرغم من انطلاقته الناجحة في لندن، اضطر بوزن إلى العودة إلى نيويورك، كونه لم يكن قادراً على العمل بشكل شرعي هناك، كما لم يكن قادراً على تحمل مصاريف ونفقات العيش فيها، ليحظى بفرصة افتتاح متجر صغير من منزل عائلته ومصروف يومي 15 دولاراً أميركياً، ومع نهاية عام 2001 استطاع تأسيس علامته التجارية الخاصة، وشركة باسم «آوت سبوك» بمساعدة والدته، ليبدأ في بيع قطع له. بينما قام بعرض أزيائه الحقيقي الأول في فبراير ،2002 والذي قام به في كنيس يهودي سابق ومهجور، في منطقة بوري في نيويورك.

يمكن اعتبار علاقات ومعارف زاك بوزن مع شهيرات هوليوود هي أكثر ما عزز من شهرته السريعة، منهن، كلير دانيز، وناتالي بورتمان، والتي اعتبرها ملهمته، واللتان كانت تنتشر صورهما معاً في المجلات والصحف، وليبدأ اسم بوزن بالانتشار والنجاح مع عدد من العروض والنجاحات المختلفة على مدى سنوات عديدة، وليتحول إلى اسم ثابت ومعتاد مرتين في العام خلال أسبوع نيويورك للأزياء.

طباعة