«أبناء وأحفاد وأصدقاء بالإيجار».. الصين تحوّل الوحدة إلى تجارة

لم تعد الوحدة في الصين مشكلة اجتماعية فحسب، بل تحولت إلى فرصة لظهور خدمات مدفوعة تقدم الرفقة والرعاية والمساعدة اليومية لكبار السن، إلى جانب مرافقة الشباب في المواعيد الطبية وإنجاز المعاملات. وفي ظل تغير أنماط الحياة وتباعد أفراد الأسر وانتقالهم إلى مدن بعيدة بحثاً عن العمل، تتوسع خدمات تسعى إلى سد الفراغ الذي تتركه العلاقات الأسرية والاجتماعية، من خلال أشخاص يؤدون دور الأبناء والأحفاد أو الأصدقاء مقابل أجر.

وتسلط هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» الضوء على هذه الظاهرة من خلال قصة «يانغ»، البالغة من العمر 91 عاماً، التي تعيش في ضواحي بكين، وعانت وحدة شديدة بعد وفاة زوجها، إلى درجة أنها فكرت، بحسب روايتها، في إنهاء حياتها بمساعدة طبية. وزادت معاناتها مع إصابتها بالجلوكوما، أو المياه الزرقاء، وتراجع قدرتها على الإبصار، ما جعل بعض المهام اليومية البسيطة، مثل ضبط جهاز تكييف الهواء، صعبة عليها.

وتقول يانغ إن الوحدة كانت من أصعب ما واجهته، وإنها كانت تلجأ أحياناً إلى التحدث مع التلفاز عندما ترغب في الحديث إلى أحد. غير أن حياتها شهدت تحولاً مع حصولها على خدمة تقدمها شركة أسسها وانغ يينغوي، الذي يتولى فريقه توصيل وجبات ساخنة إليها مرتين يومياً، إلى جانب مساعدتها في احتياجات تتجاوز الطعام إلى شؤون المنزل والحياة اليومية.

ولا يقتصر دور العاملين في هذه الخدمة على توصيل الوجبات، إذ يتدخلون لمعالجة مشكلات قد تبدو بسيطة، لكنها تشكل عائقاً حقيقياً أمام كبار السن الذين يعيشون بمفردهم. فقد تشمل المساعدة توفير مياه أنظف، أو إصلاح تجهيزات معطلة في المنزل، مثل الدش، بما يتيح للمسنين مواصلة العيش في بيوتهم باستقلالية أكبر.

وقال يينغوي لـ«بي بي سي» إن فريقه ينظر إلى نفسه باعتباره أبناء للمجتمع، موضحاً أن تقديم الخدمة يتطلب وضع العاملين أنفسهم مكان كبار السن وفهم احتياجاتهم بعناية. وأضاف أن هؤلاء يعاملون الفريق كما لو كانوا أبناءهم، فيما يعاملهم العاملون كآبائهم.

وتقل تكلفة خدمات الشركة عن نصف تكلفة الاستعانة بمقدم رعاية متفرغ، وفق التقرير. وكان يينغوي يعمل سابقاً في بيع الهواتف المحمولة، قبل أن يؤسس مشروعه بهدف مساعدة كبار السن على البقاء في منازلهم بدلاً من الانتقال إلى دور الرعاية. وجاءته الفكرة بعدما اضطر والد زوجته، الذي كان يعاني مرض ألزهايمر، إلى الإقامة في دار للرعاية.

وتأتي هذه المبادرات في سياق تحولات اجتماعية أوسع تشهدها الصين، حيث يسهم انتقال السكان من المناطق الريفية إلى المدن بحثاً عن فرص اقتصادية في تفكيك شبكات الدعم الاجتماعي التي اعتادوا الاعتماد عليها. كما يغادر خريجون شباب مدنهم ومناطقهم الأصلية للعمل في أماكن بعيدة، ليجد بعضهم أنفسهم أمام حياة جديدة تفتقر إلى الأصدقاء والعلاقات القريبة.


ورغم أن البيانات الدقيقة بشأن حجم هذا القطاع لا تزال محدودة، فإن التقديرات تشير إلى نموه في السنوات الأخيرة. ووفق التقرير، قدرت شركة «سينولنك» للأوراق المالية قيمة القطاع بنحو 7.4 مليار دولار بحلول عام 2025، مع توقعات باستمرار نموه في ظل التحولات الديموغرافية وتغير أنماط المعيشة.

ولا تقتصر هذه الخدمات على كبار السن، بل تمتد إلى الشباب الذين يواجهون صعوبات في التأقلم مع الحياة في المدن الكبرى. ومن بين العاملين في هذا المجال ليو يانيان، البالغة من العمر 23 عاماً، التي تعمل مرافقة طبية، فترافق العملاء إلى المستشفيات، أو تتولى استلام نتائج الفحوصات والأدوية نيابة عنهم، في ظل ما قد تفرضه المؤسسات الصحية الكبيرة من إجراءات معقدة ومربكة.

وتقول يانيان إن بعض عملائها شباب في العشرينيات انتقلوا إلى بكين لبناء مستقبلهم المهني، لكنهم لا يملكون أصدقاء مقربين في المدينة، أو يشعرون بالحرج من طلب مرافقة زملائهم إلى المواعيد الطبية. وتوضح أن مفهوم المبادلة الاجتماعية قد يجعل تلقي المساعدة مجاناً مصدراً لشعور بالالتزام برد الجميل، كدعوة الشخص الذي قدم المساعدة إلى وجبة أو شراء تذكرة سينما له.

وتضيف أن بعض هؤلاء يفضلون دفع أجر لشخص يرافقهم إلى المستشفى، بدلاً من طلب المساعدة من معارفهم، لأن الذهاب بمفردهم قد يثير لديهم الخوف أو القلق.

تويتر