«الفنان المهندس» يعيد استكشاف المكان بالتصوير والرسم والنحت
المزيني لزوار معرضه في دبي: تمهلوا وتأملوا «كائنات هشة»
يستكشف الفنان حمد المزيني كيفية صناعة المكان، من خلال التوقف عند التفاصيل اليومية، والأشياء غير الملحوظة، والبنى التحتية التي تسهم في تشكيل الأماكن واستخدامها وفهمها. ومن خلال التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت، تتبع الفنان في معرضه «كائنات هشة» الذي افتتح في مركز تشكيل بدبي أخيراً، العلاقات الدقيقة بين الناس والأشياء والأنظمة والبيئة المبنية، كما توجّه نحو العناصر الهادئة التي لا تتم ملاحظتها، رغم دورها في تشكيل المدن، معتمداً على الملاحظة كوسيلة للتأمل وإعادة إنتاج المعنى.
وعن تبلور فكرة «كائنات هشة»، قال حمد المزيني لـ«الإمارات اليوم»: إنها «أتت بعد فترة وجيزة من عودتي إلى الكويت، بعد غياب طويل، حين بدأت أرى الوطن وكأنني أعيد اكتشافه للمرة الأولى، كنت شديد الحساسية تجاه محيطي، ففي الوقت الذي كان فيه الآخرون يمضون في إيقاع حياتهم اليومية من دون أن يشعروا فعلياً بالتفاصيل الصغيرة التي كنت ألتقطها، كنت أتوقف عند تلك التفاصيل بشكل مختلف، وبدا لي المحيط وكأنه ساحة جديدة وملهمة لعمل يسلط الضوء عبر فهم تلك المنظومة أو تفكيكها، والبحث عن نمط أو نظام داخل تلك الأشياء الهشة والتي تبدو للوهلة الأولى مبعثرة في المدينة، وقادني ذلك إلى توثيق البيئة المحيطة بي باستمرار».
وحول عنوان المعرض، أوضح أنه يمكن لكلمة «هش» أن تشير إلى شيء غير ثابت، أو على وشك السقوط، أو متزعزع، أو ضعيف، أو غير مستقر، فهي تحمل طيفاً واسعاً من المعاني وقد يفهمها كل شخص بطريقة مختلفة، ولذلك جاء العنوان بهذه الصيغة ليشير إلى ضرورة ألا نأخذ الأشياء ومعانيها كأمور مسلم بها، إذ إن «المعاني تتغير باستمرار» حسب تعبيره، معرباً عن أمله في أن يغادر كل من يزور المعرض وهو يشعر بالإلهام، وبأن يتمهل ويتأمل ما يحيطه.
وعن اهتمام أعماله بتناول التفاصيل اليومية، رأى المهندس المعماري والفنان الكويتي المقيم في دبي أن هذا النزوع يبدأ برصد نمط ما، سواء كان في التخطيط الحضري نفسه أو في السلوكيات المتكررة للناس في الأماكن العامة، لافتاً إلى أنه يوثق هذه الملاحظات على نحو مكثف، من خلال التصوير الفوتوغرافي، متتبعاً الأساليب التي يمكن أن تتحول بها المدينة أو التكيف معها. ونوه بأنه من خلال الملاحظات يبدأ برسم الروابط بينها، لتقوده إلى سلسلة من التساؤلات، ومنها على سبيل المثال: لماذا تتوزّع الأعمدة على الأرصفة بهذه المسافات؟ وكيف يستخدمها الناس للاتكاء أو الاستراحة؟ ويتابع التساؤلات بشكل موسع من خلال سلوكيات الناس وعلاقتهم بأعمدة الأرصفة، من دون أن تكون لديه نتيجة محددة مسبقاً، ويسجل هذه الأفكار من خلال الرسومات والتصوير، فتصبح العملية محاولة للكشف عن الطريقة التي نتصرف بها في الأماكن العامة وفهمها، وكيفية التعامل مع عناصر البنية التحتية حين تتم مواجهتها في الحياة اليومية، والإيماءات والسلوكيات التي ابتكرها السكان بالتوازي مع ما وضعه مخططو المدن.
ويقدّم المزيني علاقته بالمدينة من خلال المعرض، معتبراً أن الأشياء التي نعتبرها جماداً أو غير حية تنشئ علاقات بطرق مختلفة وعلى مستويات متعددة، وهذه اللحظات مثيرة للاهتمام لأنها تبدأ في تشكيل السمات الخاصة للأماكن، إذ يمكن للأشياء والمنظومات أن تستدعي سلوكيات تسهم بشكل حتمي في تشكيل البيئة المبنية، وفي هذه اللحظات يصبح الناس شركاء لمخططي المدن في صياغة تجربة المكان، ويسهمون بدورهم في تشكيل خصوصيته.
وبخصوص البنية التحتية، أكد أنه اختار النظر إلى كل الأشياء ومنظومات البنية التحتية للإشارة إلى أن العناصر - سواء كانت صغيرة أو كبيرة - لها تأثيرات متساوية في تشكيل المكان، فالقفاز الملقى أو الممسحة التي تركت لتجف هي آثار من المهم النظر إليها وتسليط الضوء على دورها في السياق المدني، وجميعها جزء من الحوار ذاته.
وذكر أن موضوع العمارة دُرس بشكل موسع وتمت مناقشته كثيراً، ولكن ما يثير اهتمامه على نحو أكبر هو ما ينتج عنها من آثار وتبعات، فالطريقة التي تتشكّل بها البيئة المبنية لا تقل أهمية عن الطريقة التي يستجيب بها الناس إليها، فكلاهما جزء أساسي من فهم المكان، كاشفاً عن أنه لطالما كان ينظر إلى المدينة على نحو مختلف، ولكن هذا المعرض أتاح له الفرصة لاستكشاف الأفكار غير الملموسة، إذ كان دائماً يراقب البيئة ويوثقها، ولكن إعادة تفسير هذه الملاحظات وتحويلها إلى أعمال فنية هي عملية سيواصل تنميتها.
وتابع المزيني الذي يجمع في معرضه - الذي يستمر في «تشكيل» حتى 11 أكتوبر المقبل - بين التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت حول اختياره هذه الوسائط: «أرى فيها وسيلة لإبطاء عملية الملاحظة، فالصورة سريعة تلتقط في لحظات عابرة، بينما يأتي الرسم التخطيطي كعملية أبطأ وأكثر تدرجاً، وتتطلب العودة إلى الملاحظة مراراً، أما النحت فيصبح وسيطاً أبطأ من ذلك، حيث يمكن التلاعب بالمادة واللون والشكل واستكشافها بطرق مختلفة، فعندما أعيد بناء باب أحد أصحاب المحال باستخدام الخشب، أتيح للزوار التفاعل مع شيء مألوف، ولكن بطريقة تجعلهم يختبرونه كما لو أنهم يرونه للمرة الأولى». وشدد على أن المعرض ينظر إلى العناصر الهادئة والصامتة التي تسهم في تشكيل المكان، فعادة ما ينسب الحديث عن صناعة المكان إلى المخططين الحضريين أو المعماريين، إلا أنه يؤمن بأن الجزء الأكبر من هذا الدور تسهم به السلوكيات والعناصر الأخرى.
برنامج الممارسة النقدية
قدّم الفنان حمد المزيني معرضه بعد مشاركته في برنامج الممارسة النقدية في مركز تشكيل بدبي، مؤكداً أن البرنامج أتاح له فرصة استثنائية لتجسيد الكثير من التساؤلات في مجموعة من الأعمال، مشيداً بتعاون الفريق كاملاً في المركز، والذي مكنه من خوض تجارب جديدة في التعبير عن هذه الأفكار غير الملموسة.
وأضاف أن البرنامج شكّل فرصة له لعرض أسلوبه في النظر إلى العالم بدءاً من دفتر رسوماته، وصولاً إلى أعمال الغرافيت المنفذ ببطء، والخزفيات الهشة.
حمد المزيني:
. المعرض ينظر إلى العناصر الهادئة والصامتة التي تسهم في تشكيل المكان.
. كلمة «هش» تحمل طيفاً واسعاً من المعاني وقد يفهمها كل شخص بطريقة مختلفة.
. 11 أكتوبر المقبل، موعد اختتام المعرض الذي يحتضنه مركز تشكيل بدبي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news