هاجر الحوسني تحوّل قطع الخردة إلى مساحة للإبداع

حدّادة إماراتية.. بعزيمة ومطرقة وشعلة نار تُروّض الحديد وهو ساخن

صورة

في مشهد تلين فيه صلابة الحديد أمام الأنامل المزينة بالحناء، تقف هاجر الحوسني بعزيمة، لتكتب قصتها المتفردة بمطرقة وشعلة نار، وتستقطب الأنظار كإماراتية تقتحم عالم الحدادة واللحام بكل ثقة، إذ لم تكتفِ فيه بطرق أبواب مجال احتكره الرجال، ورفضوا تعليمها أسرار المهنة، حينما لم تترك منطقة صناعية إلا وذهبت إليها، إذ ذللت التحديات وحوّلت باللهب قطع الخردة إلى مساحة للإبداع، وذلك بعد أن انطلقت رحلتها من رحم الفقد، لتصنع من قسوة الظروف إرادة، وتثبت أن بنات الوطن قادرات على تطويع المستحيل، متسلحات بشغف ودعم غير محدود من قيادة تؤمن بقدراتهن في شتى الميادين، وتحرص على الاحتفاء بمواهبهن، تحت شعار: «بنظهر الأقوى والأفضل».

وفي مستهل حوارها مع «الإمارات اليوم»، أكدت هاجر أن بدايتها في هذا العالم الشاق لم يكن مخططاً لها بشكل مسبق، بل جاءت نتيجة ظروف إنسانية قاهرة، موضحة: «خلال سنوات دراستي الجامعية، عانت والدتي، رحمها الله، المرض، ما اضطرني إلى تحويل دراستي في السنتين الأخيرتين في مجال الموارد البشرية وإدارة الأعمال، إلى نظام دراسة (أونلاين)، لأتمكن من مرافقتها في رحلاتها العلاجية، لكن بعد صراع مع المرض وافتها المنية، وبحكم قربي الكبير منها، كوني أصغر أفراد العائلة، دخلت بعد فقدان والدتي آنذاك في مرحلة مؤقتة من الاكتئاب والفراغ الداخلي»، مضيفة: «تزامنت تلك الفترة مع أزمة جائحة (كورونا)، وبحكم عملي السابق في قطاع الطيران، فقد كنت شغوفة بمتابعة مقاطع ما، وفي إحدى المرات، شاهدت بالمصادفة فيديو لترميم سيارة كلاسيكية متهالكة لم تتجاوز قيمتها 150 دولاراً، وكيفية نجاح مشتريها بشكل فريد في ترميمها من الصفر وإعادة تشكيلها لتصبح تحفة فنية حقيقية، لحظتها اشتعل فضولي للبحث وتعلم تفاصيل أكثر عن عالم الحدادة واللحام، خصوصاً أنني شغوفة بطبعي في البيت، بتجميع وتركيب الأشياء بنفسي دون الحاجة إلى يد عاملة متخصصة».

تحديات ورفض

وحول أهم المواقف والتحديات المبكرة التي واجهتها هاجر، خلال رحلة محاولاتها الجاهدة، في البداية، لتعلم أسرار عالم الحدادة واللحام بمجهود شخصي، أوضحت: «لم أكن أعلم بوجود مراكز متخصصة في المجال في الإمارات، فتوجهت إلى المنطقة الصناعية وطلبت من العمال هناك تعليمي (فنون الصنعة)، لكنهم رفضوا بشدة واستغربوا طلبي، بينما حاول آخرون استبعادي خوفاً من الشرطة، ومطبات إغلاق ورشهم، بحجة منع دخول النساء إليها، ورغم نبرات التعجب وموجات الاستغراب العامة التي ارتسمت آنذاك على الوجوه، تشبثت بهدفي ولم أستسلم، في حين بادرت مع إحدى صديقاتي بالبحث عن حلول بديلة إلى أن اهتدينا في نهاية المطاف إلى (مركز لوتاه التقني)، الذي أسس على يد سعيد بن أحمد آل لوتاه، رحمه الله، في دبي».

وتابعت بنبرة فخر وحنين: «أتذكر أول لقاء جمعني مع المدرب وطلبي منه أخذ فكرة بسيطة عن طرق الحدادة ولحم الحديد، كما تحضرني محطات تعلمي في المركز ونجاحاتي بفضل تشجيعه، ومن ثم اجتيازي جميع الساعات التدريبية في أقل من سبعة أشهر، وصولاً إلى لحظة تخرجي في حفل بهيج، وبين يدي دبلوم مهني في الحدادة واللحام».

لكل مهنة زيّها

وعن صعوبات المشوار، رأت هاجر أن التعامل مع الحديد لم يكن مجرد جهد بدني، بل كان تحدياً مجتمعياً، نجحت في كسره لتفتح به أفقاً واعداً لنساء الإمارات مستقبلاً، وأردفت: «في بداياتي كان البعض ينتقدني ويتساءل حتى عن ملابس الحدادة التي أرتديها، فكنت أكتفي بالرد بأن لكل مهنة زيها الخاص، مثلها مثل زي الطبيبة أو الشرطية»، وواصلت ممازحة: «من كثرة التعليقات المتنوعة التي كنت أتلقاها، حاولت كسر القاعدة، فبادرت بوضع الحناء وبعض ألوان طلاء الأظافر، ومتابعة عملي اليومي في الورشة كأي سيدة عادية، والمهن ليس لها جنس معين، وبنات الإمارات وصلن إلى قيادة الطائرات والسفن، فلماذا لا يقتحمن جميع المجالات مهما كانت صعبة أو معقدة؟».

واستعادت هاجر موقفاً إنسانياً مؤثراً قلب مسار تجربتها المهنية وثبت خطواتها الراسخة في المجال: «في أحد الأيام التقيت في أحد المحال رجلاً كبيراً في السن، تعرّف إلى تجربتي من أحد البرامج الرمضانية، فقابلني بفرح وحفاوة غير مسبوقة، معرباً عن فخره بتجربتي المغايرة في المجال، معتبراً إياها غير غريبة على بنات الإمارات ونسائها، حينها شعرت لأول مرة بأنني لامست قلوب الناس وبيوتهم، وأدركت حجم مسؤوليتي في نقل صورة المرأة الإماراتية بشكلها المشرف».

عطاء وتمكين

وبعد إتقانها الصنعة، انتقلت هاجر إلى مرحلة العطاء المجتمعي، واصفة رحلتها في مجال تدريب الأجيال الجديدة في المجال وتمكينهم بالقول: «بعد سنة ونصف السنة من التخرج، بدأت أقدم دورات مجانية مخصصة للبنات، ودربت في مراكز عدة، وفي هذه الأثناء اكتشفت حجم المواهب النسائية المبدعة التي تضمها الإمارات، واهتماماتهن المتنوعة، وعرفت حجم المسؤولية الملقاة على عاتقي كمدربة، في تمكينهن من تحقيق طموحاتهن في المجال، كما عرفت في الوقت نفسه، حجم خوفهن من نظرة المجتمع، فكنت أشجعهن وأذكّرهن دوماً بدعم شيوخنا وبلادنا الذي يدفعنا باستمرار إلى الصفوف الأمامية».

وأكدت هاجر حرصها الدائم على تحويل مهاراتها وشغفها الدائم بتشكيل المعادن وإعادة تدوير الحديد لصناعة أعمال وتحف فنية إلى طالباتها، لافتة إلى تنفيذ أعمالها وإعادة تدوير نوافذ الحديد بالدقة والإتقان، والجمالية والمعايير الوظيفية، إذ لا تعتبر المعدن مادة خاماً، بل مساحة إبداعية متجددة كل مرة لتحويل الأفكار إلى إنجازات تحمل بصمتها الإبداعية، مختتمة: «لا أطمح لتأسيس أكاديمية تفرض قيوداً ونظاماً صارماً، بل أحلم بإنشاء ورشة مفتوحة تستقبل الجميع في أي وقت، لأن عملنا يعتمد على الفن، وكلما كان الشخص مرتاحاً، كان أكثر قدرة على الإبداع».


صناعة الإلهام

وجّهت هاجر الحوسني رسالة لبنات جيلها قائلة: «أتمنى من كل امرأة إماراتية، تمتلك شغفاً خاصاً، أن تبدأ تحقيق أحلامها المهنية وألا تنتظر الفرصة، فنحن في زمن تشتد فيه الحاجة للحِرف اليدوية، وإذا كنت خائفة من نظرة المجتمع، فخذي أهلك معك في هذه الرحلة وشاركيهم شغفك، تماماً كما فعلتُ، لتصنعي قصتك الخاصة التي قد تلهمين بها يوماً شخصاً آخر في مكان آخر».

هاجر الحوسني:

• بنات الإمارات وصلن إلى قيادة الطائرات والسفن، فلماذا لا يقتحمن جميع المجالات مهما كانت صعبة؟

• أحلم بإنشاء ورشة مفتوحة تستقبل الجميع في أي وقت، لأن عملنا يعتمد على الفن.

تويتر