عدسة مريم آل علي تغوص في عالم «الماكرو» لاكتشاف أسرار الطبيعة
إماراتية تفتح العيون على «الجمال المخبأ»: لا تحكموا على الكائن من شكله
لقطة إثر أخرى، نجحت المصورة الإماراتية مريم آل علي، في خوض رحلة استثنائية لتوثيق تفاصيل الكائنات الصغيرة في بيئة الإمارات المحلية، تحوّل فيها الفضول الطفولي إلى شغف احترافي، يمزج بين الفن والعلم، ويُسلّط الضوء على ثراء وقيمة التنوع البيولوجي في الدولة، مؤكدة أن الجمال الحقيقي يكمن أحياناً كثيرة في أدق التفاصيل التي نتجاوزها في زحمة الحياة اليومية، ففي عالم التصوير الدقيق (الماكرو)، تقف وراء كل لقطة مدهشة، عين خبيرة قادرة على التقاط ما تعجز العين المجردة عن رؤيته، لتلفت الأنظار إلى مخلوقات باهرة، وكائنات تحتاج إلى نظرة احترام أبعد من مجرد الشكل.
ومن اللحظة التي قادتها إلى عوالم التصوير، وكيف تحوّل فضول الطفولة تجاه الحشرات والكائنات الصغيرة إلى شغف ومشروع مستمر، استهلت مريم حوارها مع «الإمارات اليوم» قائلة: «طفولتي كانت قريبة جداً من الطبيعة، حيث كنت أقضي وقتاً طويلاً في حديقة المنزل أراقب النمل وأتساءل عن طريقه ووجهته، وأذكر المرة الأولى التي رأيت فيها الدعسوقة، فسألت والدتي عن سبب قصر حياتها وكيفية الاعتناء بها، ومنذ ذلك الوقت تُولّد لديّ فضول عميق تجاه هذا العالم الصغير والساحر، وبدأت التصوير فعلياً في عمر الـ15، حيث نظمت لي إحدى المعلمات معرضاً مدرسياً لتبني موهبتي، وكانت هذه من أولى المحطات المهمة بالنسبة لي».
وعلى الرغم من تلك البدايات الشغوفة الواعدة، فإن مريم ابتعدت عن المجال نحو 10 أعوام بحثاً عمّا يشبهها، وصولاً إلى 2023، موضحة: «بعد التحاقي بدورة في تربية النحل، وصلتني هدية كانت عبارة عن كاميرا وعدسة (ماكرو)، مع رسالة تقول: نريد مريم التي نعرفها أن تعود، لتكون تلك اللحظة بداية الرجوع الحقيقي، لكن لحظة تصوير (العنكبوت القافز) كانت فعلياً نقطة التحول الفعلية التي شعرت معها برغبتي الحقيقية في العودة، فعندما نظرت إليه بعيني ثم رأيت تفاصيله المدهشة على شاشة الكاميرا، شعرت بدهشة حقيقية أمام كل هذا الجمال المخبأ في كائن صغير لا نراه، وانطلاقاً من هنا كبر السؤال وتوسع الفضول لمعرفة ما يوجد أيضاً حولنا ولم نره بعد».
مهارات وتحديات
وحول بناء مهاراتها المعرفية والمهنية، قالت مريم: إن «الممارسة والتجربة كانتا الأساس، إذ لم أبدأ بدراسة أكاديمية متخصصة، بل تعلمت من المحاولة والخطأ وسؤال المختصين، ففي البداية، ظننت أن امتلاك عدسة (ماكرو) يكفي، لكنني اكتشفت أن المجال يحتاج إلى فهم أعمق للإضاءة وتفاصيل المجال وأهم مهارة اكتسبتها، كانت الملاحظة والصبر، فالكائن لا ينتظر المصور، وقد يختفي في اللحظة التي تجهز فيها الكاميرا».
وتابعت: «تعلمت أهمية عدسة (ماكرو) لإظهار التفاصيل، و(الفلاش) لتجميد الحركة، و(ديفيوزر) لتنعيم الضوء، لكن التحدي الأكبر يكمن دائماً في هذا المجال في أن الفرصة قد تكون أمامك فقط لثوانٍ معدودة، ومازلت أتذكر في هذا الصدد، إحدى المرات التي ظل فيها صديقي ممسكاً بساق نبات لفترة طويلة، ليقلل حركتها حتى ألتقط صورة لكائن دقيق جداً، لهذا السبب، أؤمن تماماً أن المعدات وحدها لا تصنع الصورة، بل العين المدربة وفهم الكائن يأتيان أولاً».
كنوز البيئة المحلية
وأسهم تصوير الماكرو في تغيير نظرة مريم للبيئة المحلية، موضحة: «كثير من الناس ينظر إلى الإمارات من خلال الصحراء أو المدن الحديثة، لكن عندما نقترب أكثر، نكتشف تنوعاً غنياً في الحشرات والملقحات، وصوّرت في الحدائق والجبال والصحراء، وكل بيئة كشفت لي عالماً مختلفاً وتفاصيل مدهشة في الأجنحة وقرون الاستشعار وغيرها من التفاصيل، وأصبحت أرى أن بيئتنا المحلية غنية جداً، وتحتاج إلى من يلاحظها، أما العدسة، فجعلتني أسأل عن دور الحشرة في موطنها، فمثلاً، النحل أساسي للتلقيح، والدعسوقة تفترس الآفات الزراعية، والعنكبوت تسهم في التحكم بأعداد الحشرات».
ولهذه الأسباب وغيرها، لم تعد لقطات المصورة الإماراتية مريم مجرد أعمال فنية، بل باتت مادة توثيقية تسهم في الوعي البيئي، وشرحت: «أحاول دائماً ربط الصورة بالمعرفة، وقد ساعدت صوري في فتح نقاشات مع مختصين، أو في تحديد كائنات كنت لا أعرفها، كما شاركت ملاحظاتي ومواقعي مع باحثين مهتمين بالتنوع البيولوجي، وذلك بعد أن رافقت علماء حشرات لتعريفهم ببيئات محلية سبق أن استكشفتها، لهذا، يمكنني القول إن أعمالي حلقة وصل بين الفن والعلم، فالمصور يستطيع أن يوفر سجلاً بصرياً، وأن يلفت الانتباه إلى نوع أو سلوك يستحق الدراسة، بينما المختص، هو من يقوم بالتعريف والتحليل العلمي الدقيق، أما على المستوى المجتمعي، فالصورة تقرّب المعلومة للناس، إذ قد لا يقرأ الشخص بحثاً علمياً عن «العنكبوت القافز»، لكنه عندما يرى عيونه وسلوكه ويتعلم أنه غير عدواني، قد تتغيّر نظرته إليه، ومن هذا المنطلق، تصبح الصورة ليس فقط أداة توثيق فحسب، بل تُشكّل وعياً أيضاً».
وأكملت مستذكرة أجمل لحظاتها في المجال: «من اللقطات الاستثنائية التي أستعيدها اليوم، توثيق سلوك النحل (Festooning)، حيث تمسك النحلات ببعضها لتكوين سلاسل حية داخل الخلية، وكذلك تصوير نحلة تمد أجزاء فمها كالأنبوب لتشرب الماء»، مختتمة: «في حياتنا اليومية نتحرك بسرعة ونبحث عن الأشياء الواضحة والكبيرة، بينما هذا المجال يجبرك على التوقف، والهدوء، والانتباه إلى حركة صغيرة أو تفصيل لا يتجاوز بضع مليمترات، لذلك عندما أدخل الطبيعة يهدأ كل شيء وأنسى الوقت، كما علمني هذا العالم ألّا أحكم على الكائن من شكله، فكلما زادت المعرفة قلَّ الخوف وحلّ الاحترام».
رسالة أبعد من الصورة

قالت المصورة الإماراتية، مريم آل علي، إن «رسالتي اليوم ليست تقديم صور جميلة فحسب، بل محاولة مساعدة الناس على رؤية ما يتجاهلونه، فالصورة تقود إلى سؤال، والسؤال يقود إلى معرفة، والمعرفة تقود إلى وعي وحماية، لأن بداية الوعي الحقيقي تبدأ بالملاحظة».
• لقطات «مريم» ليست مجرد أعمال فنية، بل مادة توثيقية تسهم في الوعي البيئي.
• 2023 العام الذي عادت فيه مريم آل علي إلى شغفها بقوة.
مريم آل علي:
• طفولتي كانت قريبة جداً من الطبيعة في حديقة المنزل، وبيئتنا المحلية غنية جداً، وتحتاج إلى من يلاحظها.
• لحظة تصوير «العنكبوت القافز» كانت نقطة التحول التي شعرتُ معها برغبتي في العودة لعالم الماكرو.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news