الطب يُودّع غونتر فون هاغنز.. عالم مثير للجدل كشف أسرار الجسد للعالم

غونتر فون هاغنز ) 1945 - 2026 (. أ.ف.ب

برحيل عالم التشريح الألماني، غونتر فون هاغنز (81 عاماً)، يطوي الطب صفحة واحدة من أكثر التجارب العلمية إثارة للاهتمام والجدل خلال العقود الماضية، فهو الطبيب الذي نقل دراسة جسم الإنسان من قاعات الجامعات والمختبرات إلى فضاء عام شاهده الملايين حول العالم، بعدما ابتكر تقنية التلدين (Plastination) التي أحدثت تحولاً كبيراً في طرق حفظ العينات البشرية وتعليم علم التشريح.

لم يكن فون هاغنز مجرد طبيب أو باحث في علم التشريح، بل كان صاحب رؤية أرادت جعل المعرفة الطبية أكثر قرباً من الناس، إذ سعى إلى تقديم تفاصيل جسم الإنسان بطريقة مختلفة، تجمع بين الدقة العلمية والعرض البصري، وهو ما قاده إلى تأسيس معارض «عالم الأجساد» التي أصبحت أحد أشهر مشاريعه وأكثرها إثارة للنقاش.

الابتكار الأبرز لفون هاغنز جاء مع تطوير تقنية التلدين، وهي طريقة تقوم على استبدال السوائل والدهون الموجودة داخل الأنسجة البشرية بمواد صناعية، ما يسمح بالحفاظ على الأعضاء والعينات التشريحية ومنع تحللها، مع إبقاء تفاصيلها الدقيقة واضحة لفترات طويلة.

وأسهمت هذه التقنية في توفير أدوات تعليمية جديدة لطلاب الطب والباحثين، إذ أتاحت لهم دراسة الأعضاء البشرية الحقيقية بتفاصيل دقيقة، بعيداً عن النماذج التقليدية، كما ساعدت في فهم تركيب الجسم ووظائفه بصورة أكثر وضوحاً.

لم يتوقف طموح فون هاغنز عند المجال الأكاديمي، بل أراد أن يجعل علم التشريح متاحاً للجمهور، فأنشأ معارض «عالم الأجساد» التي عرضت أجساداً بشرية محفوظة بتقنية التلدين، بهدف تعريف الزوار بأجزاء الجسم وطريقة عملها وتأثير العادات الصحية في الإنسان.

واستقطبت هذه المعارض ملايين الزوار في مدن مختلفة حول العالم، وأصبحت تجربة تجمع بين التعليم والعرض البصري، حيث شاهد الجمهور تفاصيل لم تكن متاحة عادة إلا للمتخصصين.

لكن هذا الانتشار رافقه جدل واسع، إذ أثارت المعارض تساؤلات أخلاقية حول عرض الأجساد البشرية في الأماكن العامة، وأهمية الحصول على موافقات واضحة لاستخدامها بعد الوفاة، وهي قضايا ظلت حاضرة في النقاش حول أعمال فون هاغنز.

اختار فون هاغنز أسلوباً مختلفاً في تقديم التشريح، فبعض أعماله اتخذ طابعاً فنياً، حيث عرض الأجساد في أوضاع تحاكي الحركة والرياضة، بهدف إبراز تعقيد جسم الإنسان وقدراته.

ومن بين الأعمال التي ارتبطت باسمه عمل «الفارس»، الذي ظهر إلى جانبه خلال افتتاح متحف «عالم الأجساد» في لندن عام 2018، في صورة جسّدت الطريقة التي مزج بها بين المعرفة الطبية والتعبير الفني.

ولد غونتر فون هاغنز عام 1945 في ألمانيا، ودرس الطب قبل أن يتخصص في علم التشريح، وكرّس حياته للبحث عن طرق جديدة لتطوير التعليم الطبي. وأسّس لاحقاً معهد التلدين في هايدلبرغ، الذي أصبح مركزاً متخصصاً في تطوير هذه التقنية ونشرها.

وخلال مسيرته، تحول اسمه إلى رمز لثورة في مجال عرض التشريح، إذ رأى مؤيدوه أنه جعل العلم أكثر قرباً من الجمهور، بينما اعتبر منتقدوه أن بعض جوانب مشاريعه تجاوز الحدود التقليدية بين البحث العلمي والعرض العام.

تويتر