أسابيع من الحماسة والانفعال والترقب عاشها ملايين المشجعين

بعد ختام كأس العالم.. «اكتئاب ما بعد المونديال» يلاحق عشاق كرة القدم

صورة

لكل بطولة كبرى لحظة ولادة، ولحظة ذروة، ثم لحظة نهاية لا تقل تأثيراً عن صافرة البداية. وبين هذه المحطات يعيش ملايين المشجعين حول العالم أسابيع من الحماسة والانفعال والترقب، تتغير خلالها تفاصيل حياتهم اليومية، فتتبدل مواعيد النوم، وتؤجل بعض الالتزامات، وتمتلئ المجالس والمقاهي والأحاديث العائلية بالنقاشات الكروية، بينما تتحول المباريات إلى موعد ثابت لا يقبل التأجيل. غير أن هذا الإيقاع المتسارع يتوقف فجأة مع المباراة الأخيرة، لتسود حالة من الهدوء غير المعتاد، ويشعر كثيرون بأن شيئاً ما قد اختفى من روتينهم اليومي.

نهاية حكاية

وبالنسبة لبعض عشاق كرة القدم، لا تمثل نهاية كأس العالم مجرد إسدال الستار على بطولة رياضية، بل تكون نهاية حكاية عاشوا تفاصيلها يوماً بيوم، وارتبطوا بها عاطفياً واجتماعياً، حتى أصبحت جزءاً من نمط حياتهم خلال أسابيع البطولة. لذلك لا يبدو غريباً أن يشعر بعضهم بعد انتهاء المنافسات بحالة من الفراغ، أو فقدان الحماس، أو الحنين إلى أجواء المباريات، وهي مشاعر يصفها علماء النفس بما يعرف بـ«اكتئاب ما بعد المونديال».

ورغم أن هذا المصطلح لا يعد تشخيصاً طبياً رسمياً ضمن تصنيفات الاضطرابات النفسية، فقد أكد مختصون أنه يستخدم لوصف حالة نفسية مؤقتة قد يمر بها بعض المشجعين بعد انتهاء حدث استثنائي استحوذ على اهتمامهم وانفعالاتهم لفترة طويلة، لافتين إلى أن الأمر لا يتعلق بمرض نفسي بقدر ما هو انعكاس طبيعي للتغير المفاجئ في مستوى الإثارة والانخراط العاطفي الذي رافق البطولة.

روابط عميقة

وتشير دراسات معنية بعلم النفس، اطلعت عليها «الإمارات اليوم» إلى أن البطولات الرياضية الكبرى لا تقتصر آثارها على الترفيه والمتعة، بل تخلق أيضاً روابط نفسية واجتماعية عميقة بين المشجعين وفرقهم المفضلة، موضحة أنه مع توالي المباريات، يعيش الجمهور حالة من الترقب اليومي، ويصبح الفوز سبباً للاحتفال، بينما تتحول الخسارة إلى مصدر للحزن وخيبة الأمل، وهو ما يجعل المشاعر ترتفع وتهبط بصورة متواصلة طوال فترة المنافسات.

وقد اهتمت الدراسات برصد هذه التأثيرات النفسية، وسعت إلى فهم العلاقة بين الرياضة والانفعالات الإنسانية، وما تتركه البطولات الكبرى من أثر في المزاج والسلوك. ففي دراسة أجريت خلال كأس العالم 2022، وشملت 1331 مشاركاً، أكد 41.5% من المشجعين أن متابعة مباريات المونديال جعلتهم يشعرون بالتوتر أو العصبية، فيما كانت معدلات القلق والانفعال أعلى بين الشباب وصغار السن مقارنة بالفئات العمرية الأخرى، الأمر الذي يعكس حجم الاندماج العاطفي الذي تولّده مثل هذه الأحداث العالمية.

خبرات عاطفية

ورغم أن مصطلح «اكتئاب ما بعد المونديال» قد يبدو للبعض مبالغاً فيه، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لا يتابعون كرة القدم أو لا يشاركون في أجواء البطولات، فإن علم الأعصاب يقدم تفسيراً علمياً لهذه الظاهرة. فقد أظهرت دراسات متخصصة أن الدماغ يتفاعل مع مباريات الفريق المفضل بطريقة تشبه تفاعله مع كثير من الخبرات العاطفية الأخرى، إذ تنشط مراكز المكافأة عند الفوز، بينما ترتفع مؤشرات التوتر خلال اللحظات الحاسمة أو عند التعرض للهزيمة.

ويفسر الباحثون ذلك بزيادة إفراز الدوبامين، المعروف بهرمون السعادة، عندما يحقق الفريق المفضل الفوز، وهو ما يمنح المشجع شعوراً بالرضا والنشوة وتحسن المزاج. وفي المقابل، ترتفع مستويات الأدرينالين والكورتيزول خلال المباريات المثيرة أو عند الشعور بالخوف من الخسارة، وهما هرمونان يرتبطان بالاستجابة للتوتر والضغط النفسي. ومع انتهاء البطولة يتوقف هذا التدفق المستمر للمثيرات والانفعالات، فيشعر بعض الأشخاص بانخفاض مؤقت في الحالة المزاجية أو بفراغ نفسي نتيجة غياب الحدث الذي كان يملأ جانباً مهماً من حياتهم اليومية.

من السعادة إلى الحزن

عن هذه الحالة، أشار أدهم علي، محاسب، لـ«الإمارات اليوم»، إلى أنه شعر بانعدام الرغبة في متابعة مباريات كأس العالم هذا العام بعد خروج المنتخبات العربية من المنافسة. وأرجع هذا الشعور إلى الحماس الشديد الذي سيطر على مشاعره منذ بداية المونديال، خصوصاً في ظل الأداء المميز الذي قدمه منتخب بلده ومنتخبات عربية أخرى، جعله ينتظر مواعيد إقامة المباريات بترقب وسعادة.

وأضاف: «كأس العالم لم تكن هذا العام مجرد مباريات لفرق متميزة نتابعها كمشاهدين، بل أصبحنا مشاركين فيها خلف منتخباتنا العربية، وللمرة الأولى يصبح تشجيع المباريات نشاطاً اجتماعياً ينخرط فيه كل أفراد العائلة من الكبار والصغار، وتستمر المناقشات حوله أياماً بعد كل مباراة، ولذلك من الطبيعي أن نشعر بخيبة أمل وفراغ بعد خروج المنتخبات العربية، خصوصاً منتخبي مصر والمغرب اللذين قدما أداءً مشرفاً أسعدنا جميعاً».

إيقاع يومي

وتعكس تجربة أدهم جانباً مهماً من طبيعة العلاقة التي يبنيها المشجع مع البطولة، فالأمر لا يتعلق بنتيجة مباراة أو منتخب بعينه، بل بإيقاع يومي كامل يتشكل حول المنافسات. فمع كل مباراة جديدة تتجدد مشاعر الترقب، وتتسع دائرة النقاشات، ويصبح المونديال محوراً للأحاديث في العمل والمنزل ووسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يجعل انتهاء البطولة يترك فراغاً لدى كثير من المتابعين.

أجواء لا تعوض

واتفق معه مهند عبدالله، مهندس، مشدداً على أن كأس العالم اكتسبت هذا العام أهمية خاصة بفضل المشاركة العربية. وأوضح أنه لايزال يتابع المباريات باهتمام، لأنه يستمتع بالأداء الحماسي في المنافسات النهائية، كما يستمتع بمتابعة المباريات مع إخوته وأصدقائه عندما تكون مواعيد البث مناسبة للتوقيت المحلي، ولذلك سيفتقد هذه التجمعات بشدة عقب انتهاء المسابقة، ولكن الأمر لا يصل إلى الإصابة بالاكتئاب أو بحالة نفسية مرضية، فالحياة لابد أن تستمر.

وأضاف: «كانت متابعة المباريات فرصة يومية للقاء الإخوة والأصدقاء، وأجواء يصعب تعويضها سريعاً، لكننا ندرك في النهاية أن البطولة حدث مؤقت، وأن العودة إلى الحياة الطبيعية أمر لا مفر منه».

ويرى مختصون أن هذه التجمعات الاجتماعية تمثل أحد أهم أسباب ارتباط الجمهور بالبطولات الكبرى، إذ لا تقتصر المتعة على متابعة المباراة، وإنما تمتد إلى المشاركة الجماعية في التشجيع، وتبادل الآراء، ومناقشة القرارات التحكيمية، والتوقعات، والاحتفال بالانتصارات أو مواساة بعضهم بعد الهزائم، وهو ما يفسر شعور كثيرين بالحنين إلى تلك الأجواء بمجرد انتهاء البطولة.

فرق توقيت

واعتبر علي الحمادي، مهندس، أن هذه البطولة ستكون من أكثر المرات التي ستترك فيها كأس العالم أثراً في نفوس متابعيها، بسبب مواعيد إقامة المباريات التي صادفت أوقاتاً مبكرة مثل الساعة الرابعة أو الخامسة فجراً، نظراً لفرق التوقيت بين الإمارات والدول العربية من جهة، والدول التي أقيمت فيها المنافسات من جهة أخرى، وهو ما أجبر متابعي المباريات على تغيير مواعيد نومهم، وأحياناً التغيب عن العمل أو الدراسة بسببها. كذلك خلق الوجود العربي في المونديال حالة من الحماس والانتماء والفخر لدى كل المشاهدين العرب، فزاد تعلقهم بالمسابقة وسيطرتها على غيرها من الأنشطة الأخرى التي كانوا يمارسونها قبل المونديال، مثل النزهات التقليدية أو مشاهدة أفلام جديدة في السينما أو غيرها من الأنشطة، ومع الوقت تعود الحياة إلى طبيعتها بالتدريج.


استجابة نفسية طبيعية

الدكتورة عازة جلال الدين. من المصدر

أكدت اختصاصية الطب النفسي في مركز الفرقد الطبي التخصصي بالشارقة، الدكتورة عازة جلال الدين، أن الشعور بالفراغ أو انخفاض المزاج بعد انتهاء الأحداث الجماهيرية الكبرى يُعدُّ استجابة نفسية طبيعية، ولا يعني بالضرورة الإصابة بالاكتئاب السريري.

وقالت لـ«الإمارات اليوم»: «خلال البطولة يعيش المشجعون حالة يومية من الترقب والانفعال، وتصبح متابعة المباريات جزءاً من الروتين، كما تعزز المنافسات الشعور بالانتماء والتواصل الاجتماعي. وعندما ينتهي هذا الزخم قد يشعر البعض بانخفاض مؤقت في الحماس أو الدافعية».

 

وأوضحت أن أبرز مظاهر هذه الحالة يتمثل في الشعور بالملل والفراغ، والحنين إلى أجواء البطولة، وصعوبة العودة إلى الروتين اليومي، إضافة إلى اضطرابات بسيطة في النوم لدى من اعتادوا السهر لمتابعة المباريات، مؤكدة أن هذه الأعراض تزول غالباً خلال أيام قليلة.


كيف نتجاوز «اكتئاب المونديال»؟

ترى الدكتورة عازة جلال الدين أن أفضل طريقة للتعامل مع هذه الحالة هي استعادة نمط الحياة الطبيعي تدريجياً، من خلال العودة إلى مواعيد نوم منتظمة، وممارسة النشاط البدني، واستئناف اللقاءات الاجتماعية، وممارسة هوايات جديدة تمنح شعوراً بالمتعة والإنجاز، وتقليل الوقت المخصص لمتابعة المحتوى الرياضي بعد انتهاء البطولة.

وشددت على ضرورة التمييز بين هذه الحالة العابرة والاكتئاب السريري، موضحة أنه إذا استمر انخفاض المزاج لأكثر من أسبوعين، أو صاحبه فقدان الاهتمام بمعظم الأنشطة، واضطرابات مستمرة في النوم أو الشهية، أو صعوبة في أداء المهام اليومية، أو أفكار بإيذاء النفس، فإن الأمر يستدعي مراجعة مختص في الصحة النفسية.

 

وأضافت: «الرياضة مصدر مهم للمتعة والانتماء، لكن الحفاظ على التوازن بين الشغف الرياضي والحياة اليومية هو الضمان الحقيقي للاستمتاع بالبطولات دون أن يترك انتهاؤها أثراً نفسياً طويل الأمد».


دراسات

لا تقتصر تأثيرات البطولات الرياضية الكبرى على الحالة النفسية، بل تمتد أيضاً إلى الصحة الجسدية. ففي عام 2025، حذّرت أكاديمية هيوستن ميثوديست من أن متابعة المباريات شديدة التنافس قد ترفع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضاً قلبية سابقة، وإن كانت هذه الارتفاعات تبقى أقل مما يتعرض له اللاعبون داخل الملعب.

كما أشار تقرير نشرته جامعة هارفارد عام 2024 إلى أن الانفعال الشديد أثناء متابعة المباريات قد يؤثر سلباً في صحة القلب، مستشهداً بدراسة أجريت عام 2017، أظهرت أن معدل ضربات القلب قد يتضاعف لدى بعض المشجعين خلال المباريات الحاسمة.

وأظهرت دراسة منشورة عبر المعاهد الوطنية للصحة الأميركية (NIH) أن مراجعات أقسام أمراض القلب في المستشفيات ارتفعت بنحو 15% خلال كأس العالم 2022، ما يعكس التأثير الفسيولوجي الذي قد تتركه المنافسات الرياضية الكبرى لدى بعض الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية.

مختصون:

• تجمعات مشاهدة المباريات تمثل أحد أهم أسباب ارتباط الجمهور بالبطولات الكبرى.

مهند عبدالله:

• سنفتقد هذه التجمعات بشدة بعد انتهاء المسابقة، لكن الحياة لابد أن تستمر.

أدهم علي:

• كأس العالم لم تكن هذا العام مجرد مباريات نتابعها كمشاهدين، بل أصبحنا مشاركين فيها.

علي الحمادي:

• هذه البطولة ستكون من أكثر المرات التي ستترك فيها كأس العالم أثراً في نفوس متابعيها.

تويتر