صاحب «البوكر» يعتبر ثلاثية «أسفار مدينة الطين» عمله الأبرز
سعود السنعوسي: سأظل مديناً لـ «ساق البامبو» لكنها ليست «بيضة الديك»
بين سؤال الهوية والانتماء، وهاجس الكتابة بوصفها محاولة دائمة للفهم والتعبير، يتحرك المشروع الأدبي للروائي، سعود السنعوسي، إذ يُعدّ من أبرز الأصوات السردية العربية التي تمكنت من طرح الأسئلة الشائكة التي تتعلق بالانتماء والتحولات المجتمعية، وكذلك من تقديم شخصيات تعكس تعقيدات الإنسان في مواجهة واقعه ومحيطه.
وفي مسيرته تنقّل الكاتب الكويتي بين عوالم روائية متعددة، مستنداً إلى البحث والتوثيق من جهة، وإلى الخيال السردي من جهة أخرى، ما أتاح له بناء مشروعات ذات بصمة في المشهد الأدبي.
وقال السنعوسي، في حواره مع «الإمارات اليوم»، إن «الكتابة تدخل على الصعيد الشخصي في إطار تحقيق الذات ومحاولة للفهم والتعبير، ولو أنني كنت أجيد شيئاً آخر للتعبير فلن أكتب، لو كنت أجيد العزف على العود لن أكتب كلمة واحدة، لكنني رأيت في الكتابة القصصية، على وجه الخصوص، ما يمنحني المساحة للتعبير عن أفكاري، وطرح أسئلتي التي أُسائل فيها مجتمعاتنا وتاريخنا».
وأضاف: «تورط الكاتب بسؤال ما، وإثارته يجعل دوره يتوقف، فمسألة السؤال والقلق الوجودي، بمجملها دوافع للكتابة للوصول إلى شرائح أخرى تشارك الكاتب الهمّ نفسه، كي لا يشعر أنه وحيد، لكن الكاتب ليس لديه الأجوبة».
عمل كبير
وحول «أسفار مدينة الطين»، أوضح السنعوسي أنه في البدء لم تكن النية تقديم تجربة ثلاثية، لكنه كان على يقين بأنه ينجز عملاً كبيراً بحجمه الأدبي، وتصور أن تظهر الرواية بحجم 800 صفحة، ثم بعد ذلك تحولت إلى جزأين، وبعد أن قطع شوطاً كبيراً في الجزء الثاني وجد أنه لم يبلغ العالم الذي شرع في بنائه، فجاءت فكرة الأجزاء الثلاثة كضرورة، وقد كتبت في وقت واحد، لكن الجزء الأخير صدر بوجود مسافة زمنية تصل إلى العام.
أما الحقبة الزمنية التي تغطيها الثلاثية، فتمتد من عام 1920 إلى 1990، وتحمل الكثير من التحولات في مدينة الكويت، بدءاً من بيوت الطين، وزمن الغوص على اللؤلؤ، وصولاً إلى ما بعد الثورة النفطية وبيوت الإسمنت، وهذا فرض الاشتغال الذي امتد تسع سنوات من الكتابة والبحث، وأردف السنعوسي: «هذه الرواية كانت أشبه بالحلم، فقد كتبت الرواية التي تمنيت أن أقرأها في يوم من الأيام، فهي تناقش موضوعات الهوية، وتعرض جانباً من الكويت لم يعرض روائياً».
وأكد أن دمج الثلاثية بين الكتابة والبحث لم يقلل من مساحة الخيال التي كانت أكبر من مساحة التوثيق الذي كان في خلفية الحدث، فهناك مسرح للأحداث وقصص لما يقارب 20 شخصية، والتأريخ لم يكن هاجساً على الإطلاق، لأن ما أراد كتابته هو تاريخ الناس البسطاء والفقراء الذي لم يُكتب، كما غطى في هذا العمل مرحلة مهمة من تاريخ الكويت، وتغطية 70 سنة من ثلاثة قرون في تاريخها مهمة أسعدته، وإلى اليوم يشعر بالرضا عن هذا العمل.
لعنة الرواية الواحدة
وكشف الكاتب الكويتي الذي حقق جزءاً كبيراً من شهرته في عالم الأدب من خلال رواية «ساق البامبو» التي حصدت جائزة «البوكر» العربية عام 2013، عن أن القائمة الطويلة للجائزة وقتذاك، ضمت أعمالاً روائية أحبها كقارئ أكثر من روايته، لكن للجنة التحكيم معاييرها في الاختيار، وبيّن أن موضوع الرواية وتوقيتها أسهما في فوزها، على الرغم من أنه ليس موضوعاً جديداً، لافتاً إلى أن فكرة لعنة الرواية الواحدة عانى منها الكثير من الكُتّاب، من بينهم غابرييل غارسيا ماركيز، لكنه ككاتب سيظل مديناً لهذه الرواية، ورأى أن القارئ العادي يربط الكاتب بعمل روائي واحد، بينما المتابع الذي يتتبع التجربة كاملة سيتطور مع الكاتب، إذ إن لكل مبدع روايته الأبرز، لكن ليس بالضرورة أن تكون «بيضة الديك»، وأنه لو طلب منه اختيار عمله الأبرز سيكون «أسفار مدينة الطين» وليس «ساق البامبو»، وشدد على أن نجاح أي تجربة لا يجعله يقدم الشكل والقالب نفسه في التجربة اللاحقة، بل يحاول أن ينتزع جلده مع كل عمل، لذا فالقارئ لم يعتد عليه بأسلوب واحد.
حلم لم يتحقق
يؤمن السنعوسي بمقولة ميلان كونديرا إن شخصيات الكاتب هي إمكانات لم تتحقق، لافتاً إلى أنه ليس بالضرورة أن كل الشخصيات التي قدمها هي إمكانات لم تتحقق، إذ إنه عندما يشرع في الكتابة يبتلعه العمل بكل عوالمه وشخوصه، ولا يفكر في (سعود)، لكنه بعد صدور العمل يكتشف أن هناك أموراً لم يحققها في حياته يمررها في الشخوص، مقدماً المثال على فشله في تعلم العزف على آلة العود في مرحلة الثانوية وتحوله إلى البيانو، لذلك لا توجد رواية من رواياته خالية من وجود شخصية عازف العود، باستثناء «ناقة صالحة» التي وضع فيها الربابة بدلاً من العود، بسبب طبيعة حياة البادية، وهذا ينطبق على العزف على العود وغيره من الأشياء التي ربما فشل فيها بالحياة وحققها على الورق.
السؤال المُلح
واعتبر الكاتب الكويتي أن سؤال الهوية الذي يُشكّل همّاً كبيراً لديه، بات أكثر إلحاحاً في الوقت الراهن، حيث إن العالم يتجه إلى التصنيف، وهناك الكثير من مآزق الهوية في العديد من الدول كفرنسا، وأميركا، والكويت، وغيرها، وذكر أن الإرث العشائري والقبائلي في المجتمعات العربية يجعل تناول مآزق الهوية أكثر صعوبة، لأن تصنيف الآخر بناء على اختلافه موجود، وذلك الآخر قد يكون أحياناً شريكاً في الوطن، منوهاً بأنه طرح في أعماله أزمة الهوية على مختلف أشكالها بين البادية والحاضرة، والهوية الدينية والعرقية والمجتمعية، وأن مختلف مشكلاتنا في العالم هي بسبب أزمات الهوية.
تجربة المسرح
عن حكايته مع الكتابة لـ«أبو الفنون» قال سعود السنعوسي - الذي حلَّ ضيفاً أخيراً على مبادرة «حديث المكتبات» بمتحف الاتحاد في دبي، لمناقشة مسرحيته «ليلة إعدام الخياط» - إن تجربته كانت سهلة لأنه لم يحول عملاً روائياً إلى مسرحية، إذ يمكن أن تكون المعضلة في تحويل الرواية إلى أي عمل آخر، سواء دراما أو سينما أو مسرحاً، لأن الرواية تقول كل شيء ومن الصعب تحويلها إلى عمل بصري، مؤكداً أن البدء من الصفر في كتابة مسلسل أو مسرحية أسهل بكثير، إذ قدّم أكثر من مسلسل بأعمال من ست إلى ثماني حلقات، ووجد نفسه فيها.
. 70 سنة تغطيها رواية «أسفار مدينة الطين».
. 2013 فاز المبدع الكويتي بجائزة «البوكر» العربية.
. حين الكتابة لا أفكر في «سعود»، لكن بعد صدور العمل أكتشف أن هناك أموراً لم أحققها في حياتي أمررها في الشخوص.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news