أول سائقة تتوج في «الفورمولا 4» تواصل شق طريقها بثبات إلى منصات التتويج

قصة نجاح إماراتية على إيقاع هدير المحركات.. تكتبها حمدة القبيسي بـ «جزء من الثانية»

صورة

في عالم تتحقق فيه الأحلام بأجزاء من الثانية، وترسم حدود الإنجاز فيه مع أقصى سرعات التحدي، شقت الإماراتية حمدة القبيسي طريقها بثبات نحو منصات التتويج في رياضة سباق السيارات، وبين هدير محركات السيارات والمنافسات العالمية، وحققت إنجازاً حين أصبحت أول سائقة تعتلي منصة التتويج في الفورمولا 4 في إيطاليا، لتترك بصمة حاضرة إلى اليوم. وتجمع تجربة حمدة بين الجرأة والانضباط والطموح، إذ علمتها حلبات السباق أن النجاح لا يقاس بالوصول إلى خط النهاية، إنما بكسر الحدود، وتحويل الخسارة إلى فرصة للتعلم والتطور، ومواصلة التقدم بثقة نحو التحدي التالي.

لم يكن عالم السرعة غريباً عن حمدة القبيسي، التي سلطت الضوء في مستهل حوارها مع «الإمارات اليوم» على البيئة التي نشأت وساهمت بدخولها المجال، موضحة: «نشأت في بيئة قريبة من عالم رياضة السيارات، فكان والدي سائق سباقات، وكذلك شقيقتي، وبدا طبيعياً أن أكون جزءاً من هذا العالم، لكن ما جذبني إليه فعلياً لم يكن السرعة أو كونه شغفاً عائلياً فحسب، وإنما كذلك الدقة والانضباط اللذان يتطلبهما هذا المجال، فالسباقات تعد من الرياضات القليلة التي يجب أن تتكامل فيها مجموعة من العناصر على نحو مثالي، منها: الذهنية، وردود الفعل، وروح الفريق، والسيارة، وقد وقعت في حب هذا التحدي منذ وقت مبكر، ومع دخولي عالم المنافسة أدركت أنني أريد الاستمرار فيه».

حضور ذهني كامل

وأشارت حمدة إلى أنه في عالم السيارات لا يقاس السباق بالوقت فقط، وإنما يُحس أيضاً، فجزء من الثانية قد يعتمد على قرار واحد فقط، وبالنسبة لها أصبح الوقت مرتبطاً بالحضور الذهني الكامل، وأثناء القيادة تشعر كأن كل شيء يهدأ داخلها على الرغم من أن كل شيء يحدث بأقصى سرعة على أرض الواقع، وهذا يتعلق بفكرة الحضور على نحو كامل في اللحظة. ونوهت بأن هذا النوع من التحدي أعاد تعريف الكثير من المعاني بالنسبة إليها حتى الخسارة، فلم تعد تنظر إليها على أنها فشل، معترفة بأنها كانت تتأثر كثيراً بخسارة أي سباق، أما اليوم فتدرك أن كل سباق لا يسير كما هو مخطط له يمكنه أن يكون فرصة للتطوير، فبعض أهم خطواتها لم تكن بعد الانتصارات، لأن الخسارة جزء أساسي من التحسن.

في الكواليس

ورأت حمدة أن السرعة تُعلم المرء اتخاذ القرارات تحت الضغط، والحفاظ على الهدوء في المواقف غير المتوقعة، والثقة بالنفس، والالتزام والإصرار، مؤكدة أنها تحمل هذه القيم معها خارج الحلبة أيضاً.

أما خلف الخوذة، فتعيش الكثير من الكواليس التي لا يعرفها الجمهور، الذي لا يشاهد إلا التحضيرات، والجهد الذهني والبدني، والضغط، والتضحيات، وكذلك المشاعر التي يعيشها المتسابقون، فأسبوع السباق يمرّ بسلسلة من المشاعر المتقلبة، وداخل الخوذة تكون في حالة معالجة مستمرة للمعلومات، وإدارة للضغط، ودفع للذات إلى أقصى الحدود، فالأمر لا يقتصر على القيادة، بل هو تحدٍ ذهني وبدني متكامل.

وعن أبرز مشاركاتها، نوهت بأن مشاركتها في بطولة الفورمولا 4 الإيطالية، شكلت محطة مهمة جداً في مسيرتها، لاسيما أنها أصبحت أول سائقة تحقق منصة تتويج فيها، كما شكّلت مشاركتها في أكاديمية فورمولا 1 (F1 Academy) مرحلة أساسية في تطويرها، سواء على المستوى التنافسي أو الشخصي.

واعتبرت أن تمثيل الدولة يعني لها الكثير، فالأمر لا يتعلق بالنتائج الشخصية فقط، وإنما بإظهار ما هو ممكن أيضاً وفتح الأبواب للآخرين، والتعامل مع هذه المسؤولية من خلال التركيز على تقديم أفضل ما لديها على الحلبة، ورفع علم الإمارات بكل فخر.

إنجازات

ونجحت حمدة في تحقيق إنجازات في عالم السرعة، ففي عام 2021 حققت إنجازاً كبيراً في بطولة الفورمولا 4 الإيطالية، التي تُعد من أكثر بطولات الفورمولا 4 تنافسية على مستوى العالم، إذ أصبحت أول سائقة تعتلي منصة التتويج، مسجّلة رقماً قياسياً لايزال قائماً حتى اليوم، واصفة هذا الإنجاز بأنه ثمرة سنوات من العمل الجاد، حققت من خلاله حلماً راودها منذ بداية مسيرتها في عالم السباقات في رياضة يهيمن عليها الرجال، معربة عن فخرها بأنها واحدة من فتاتين فقط ضمن شبكة تضم 30 سائقاً، وسيبقى هذا الإنجاز من اللحظات التي تعتز بها دائماً.

وفي رياضة تعتمد على الآلة، يصعب فيها الفصل بين دور التكنولوجيا والإنسان، لفتت حمدة إلى أنه من الصعب فصل الحدود بين الاثنين، فالسيارة تمنح المرء الإمكانات، لكن السائق هو من يفعّلها، وفي سباقات المقعد الواحد تكون الفروقات بين السيارات ضئيلة جداً، لذا فالعامل البشري هو ما يصنع الفارق الحقيقي من خلال الثبات، والثقة، واتخاذ القرار، ومعرفة أين يمكن كسب تلك الأجزاء الصغيرة من الثانية، ودفع الحدود في كل منعطف، وهكذا تُحسم السباقات.

أما الخوف من السرعة فذكرت أنه في البداية كان عليها التغلب عليه، بينما الآن تراه بشكل مختلف، فهو عنصر يبقي السائق متيقظاً له، ومن المهم امتلاك قدر من الاحترام لما يقوم به، لأن المفتاح الحقيقي في السباق هو عدم ترك الخوف يتحكم بالمرء.

ومن عالم السيارات إلى الجامعة، حيث تدرس حمدة إدارة الوثائق وعلوم الأرشيف في جامعة السوربون أبوظبي، أوضحت أنه مجال يتماشى بشكل كبير مع شغفها بالتاريخ، إذ ساهمت زياراتها إلى الأرشيف والمكتبة الوطنية في تعزيز هذا الاهتمام، لاسيما أنها أُعجبت كثيراً بكيفية حفظ الوثائق وتنظيمها بطريقة تضمن تمكين الأجيال المقبلة من التعرّف على الماضي والتفاعل معه، مشيرة إلى أنه مع اقترابها من التخرج تخطط للتقدّم لفرص تدريب عملي خلال العام المقبل، مثنية على الدعم والمرونة التي تلقتها من الجامعة، والتي أتاحت لها الاستمرار في كلا المسارين.


تحديات وطموحات

رأت حمدة القبيسي أن أبرز التحديات التي واجهتها كان إثبات نفسها باستمرار في بيئة شديدة التنافس، لأن رياضة السيارات لا تمنح الكثير من الفرص الثانية، لذلك يجب الحفاظ على مستوى أداء ثابت، مضيفة أنها تعلمت من هذه التجربة الصبر والانضباط والمرونة، وأن تواصل التقدم حتى عندما لا تسير الأمور كما ترغب.

أما طموحها فهو الاستمرار في التقدّم بعالم رياضة السيارات، وأن تترك أثراً، خصوصاً لدى الفتيات الصغيرات اللواتي يرغبن في دخول هذا المجال، ولا يرينه خياراً متاحاً بعد.

. سباقات السرعة تُعلم المرء اتخاذ القرارات تحت الضغط، والحفاظ على الهدوء في المواقف غير المتوقعة، والثقة بالنفس، والالتزام والإصرار.

. 2021 حققت حمدة إنجازها الأبرز في بطولة «الفورمولا 4» الإيطالية.

تويتر