حكاية تراهن منذ عام 1983 على «النَفَس» وعشق المهنة
بوظة بطعم الذكريات.. أجيال تتوارث سر الصنعة من عكا حتى الشارقة
من قلب الشارقة، وفي محل تختزن جدرانه الكثير من الذكريات، لا تُعدّ البوظة من الحليب والسحلب فحسب، بل من ذاكرة حية وأيدٍ توارثت سر الوصفة جيلاً بعد آخر، فقصة غفور مع البوظة ليست مجرد حكاية مهنة، بل سيرة عائلة حملت نكهة هذا التراث من عكا في فلسطين إلى لبنان، ثم إلى الشارقة في عام 1983، وبين صور الأجداد المعلقة على جدران المحل، والتي تستحضر الطرق التقليدية في صناعة البوظة، والآلات الحديثة التي سهلت العمل، يبقى سر الوصفة محفوظاً، وقوامه الأمانة في أداء العمل، والشغف بالمهنة، والحب الذي تمنحه كل نكهة تقدم للزبائن؛ وفق نبيل حسن غفور الذي يدير «زهرة الشمال».
وقال نبيل غفور لـ«الإمارات اليوم» عن بداية تأسيس والده للمحل في 1983، والإرث العائلي في صناعة البوظة: «بدأت حكاية الأسرة مع هذه المهنة مع (جدي عبدو) في عكا عام 1919، فأصول العائلة من فلسطين، لكن في 1948 انتقلت العائلة إلى لبنان، وافتتحت مشروعها في الشمال، فيما انتقل والدي وعمي إلى الإمارات في 1983»، موضحاً أنه بعد وفاة أبيه في عام 1994، تسلم مهامه في المحل، وهكذا توارثت العائلة المهنة على مدى ثلاثة أجيال، إذ عمل مع أولاد أعمامه، ولكنهم توسعوا في مشاريعهم وافتتح ابن عمه محله الخاص أيضاً في الشارقة.
تحمُّل المسؤولية
توفي والد نبيل عندما كان يبلغ 14 عاماً، ما اضطره إلى تحمل مسؤولية المشروع في سن صغيرة، وقد تعلم أصول صناعة البوظة من والده والعائلة، وتمكن على مر السنوات من الحفاظ على المشروع، لافتاً إلى أن مهنة صناعة البوظة شهدت الكثير من التحولات على مدى السنوات، لاسيما أنها في الماضي كانت تعتمد على الطرق اليدوية، وكانت قوالبها تتطلب الكثير من الجهد البدني.
وأشار إلى أنهم كانوا قديماً يصنعون بوظة القشطة العربية فقط، ولكن مع الوقت أدخلوا نكهات جديدة للفاكهة، ولم يكتفوا بالقشطة، ورأى نبيل أن سر دوام المشروع منذ أيام جده حتى اليوم هو الحفاظ على سر الصنعة أو الوصفة، لافتاً إلى أن السحلب مكون أساسي في صناعة البوظة العربية، مع الاعتماد على الفاكهة الطبيعية، وأنه يتبع المواسم الخاصة بالفاكهة في إعداد النكهات.
وشهد العالم الخاص بصناعة البوظة الكثير من التحولات، وحتى أذواق الناس تبدلت، حسب نبيل غفور الذي ذكر أن القشطة والشوكولاتة كانتا من النكهات الطاغية والمطلوبة في السوق، لكن بعد عام 2000 شهدت السوق تبدلاً في الأذواق، وبات الزبائن أكثر طلباً للنكهات المتنوعة، لاسيما الفاكهة أو الفستق وغيرهما.
مكان ثابت
لم يغير «زهرة الشمال» مكانه في الشارقة، فمنذ أن أُسس وهو يحافظ على موقعه مع إضافة بعض التعديلات والتغييرات الحديثة والبسيطة، وتحمل جدران المحل الكثير من ذكريات العائلة وإرثها، عبر الصور القديمة للعائلة التي توثق مراحل عدة لمشروع العائلة، وتنقل أفرادها بين عكا ولبنان والشارقة، وتوارث المهنة بدءاً من الجد وصولاً إلى الجيل الثاني فالثالث.
وأفاد نبيل بأن الصورة الأقدم التي تزين «جدار الذكريات» هي من عكا، وهناك مجموعة من اللقطات من لبنان، فيما المرحلة الأخيرة في الإمارات، معتبراً أن أبرز ما حفر داخله حول هذه المهنة هو الصبر، إذ إن صناعة البوظة تتطلب الكثير منه في الإعداد، وخلال التعاطي مع نكهات الفاكهة لا يوجد الكثير من الاختلاف في إعداد البوظة أو المكونات الأساسية، فهي لا تحتوي على الحليب، ولكن في ما يخص القشطة تتطلب مكونات مختلفة، ومنها المستكة وماء الورد، فيما بعض النكهات تتطلب ماء الزهر، ومع كل نكهة هناك تحديات ومقادير تتباين.
ويشرف نبيل إلى اليوم على إعداد الوصفات بنفسه على الرغم من وجود الآلات التي تسهل العمل وتختصر الكثير من الوقت، إلا أنه مازال يقف بجانب فريق المحل يومياً، إيماناً منه بأن الوصفة دائماً لها سرها، علاوة على «النَفَس» في الإعداد، وشدد على أن المقومات الأساسية التي يحافظ من خلالها أي مشروع على استمراره هي الأمانة في العمل، فضلاً عن الشغف الذي يجعل المرء يعطي من قلبه، معرباً عن أمله في أن يواصل أبناؤه في ما بعد المشروع الذي ورثه عن والده.
وعلى الرغم من المنافسة الشديدة، وتواجد الكثير من المحال الغربية التي تطل بنكهات متباينة في هذه الصناعة، يرى نبيل غفور أنها لا تهدد البوظة العربية، لأن ما يميز الأخيرة، بما فيها الوصفات التي تعتمد على الفاكهة، هو اعتمادها على مكون السحلب على نحو أساسي، وغياب هذا المكون يحولها إلى مثلجات وليس بوظة عربية.
منصات التواصل الاجتماعي
أكد نبيل غفور أن هناك الكثير من الزبائن الذين رافقوا «زهرة الشمال» منذ الطفولة، ويواكبون التطورات في مختلف المجالات، إذ باتوا اليوم يتجهون لتسويق البوظة عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تسمح لآخرين بالتعرف إلى المحل، معبراً عن سعادته بوجود أجيال رافقتهم منذ التأسيس، فالذين كانوا يحضرون صغاراً للشراء، باتوا اليوم يحضرون أطفالهم لأجل البوظة، وهذا تأكيد على تأسيس المشروع على نحو صحيح.
نبيل غفور:
. الأمانة أساس محافظة أي مشروع على استمراريته، علاوة على الشغف.
. أبرز ما حفرته المهنة بداخلي هو الصبر، إذ إنها تتطلب الكثير منه في الإعداد.
. 1919 بدأت حكاية الأسرة مع مهنة صناعة البوظة في فلسطين.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news