عائلته توارثت تجارة الأقمشة على مدار 120 عاماً

محمد عقيل الزرعوني شاهد على نهضة الإمارة: دبي الحلم الذي تحقق أمام أعيننا

صورة

منذ أن كانت ثلاثة أو أربعة أحياء بسيطة لا تربطها شوارع ممهدة حتى تحولت إلى أحد أهم المراكز التجارية والسياحية والعمرانية على مستوى العالم، ظلَّ الحاج محمد عقيل الزرعوني شاهداً على بناء ونهضة وتطور إمارة دبي.

الزرعوني الذي ورث تجارة الأقمشة عن جده الأكبر وأبيه، كان يحتاج للسفر لمدة 12 يوماً على متن سفينة بخارية إلى كشمير والهند لجلب البضاعة، وتوزيعها محلياً وإقليمياً حتى قرر التحول إلى الاستثمار العقاري، ليصبح أحد أهم رجالات هذا القطاع في الإمارة.

 ويحكي الزرعوني لـ«الإمارات اليوم» مواقف نادرة، تكشف سر دبي، ومصدر قوتها، وسبب نهضتها السريعة، ويصفها بانها «الحلم الذي تحقق أمام أعيننا»، بفضل رجال كانوا منفتحين ومثقفين بالفطرة، آمنوا بالتجار، وأتاحوا الفرص للجميع دون تمييز بين لون أو جنس أو عرق.

يقول الزرعوني: «كان ديوان المغفور له الشيخ سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، ومن بعده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، في بر دبي بسيطاً، يقصده الكبير والصغير»، مضيفاً أن «صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ورث عنهما الطيبة والعزيمة والرؤية الثاقبة».

ويعشق الحاج محمد عقيل الزرعوني تعمير المساجد، وللأسرة أربعة جوامع كبرى في الإمارة، أقدمها في منطقة نايف، وأحدثها في ند الحمر، والذي بني على الطراز الحديث بطرق مستدامة، ويحرص على رعايتها بنفسه لخدمة آلاف المصلين، ويشعر بالفخر وهو يقول: «والدي بنى مسجدين وبنيتُ مسجدين، وهذا أفضل ما يمكن أن أخلفه من إرث لسكان مدينتي».

وتبدأ الحكاية حين كان الزرعوني في سن 20 عاماً حين ضمه والده للعمل معه في محل تجارة الأقمشة التي توارثتها الأسرة لمدة 120 عاماً، ويقول إن المحل كان يضم موظفين من جنسيات مختلفة، والتحق بالعمل مع أبيه في ظل عدم وجود مدارس أو جامعات آنذاك، فكان التعليم مقتصراً على حفظ القرآن وبعض العلوم الدينية، مشيراً إلى أن الحياة كانت بالغة البساطة، ولا تكاد توجد فروق اجتماعية أو مادية تذكر بين سكان الإمارة.

ويضيف: كانت أقرب منطقة لنا هي «عيال ناصر» الذين كانوا يعملون بالغوص وتجارة اللؤلؤ، وتحولت مع مرور الوقت إلى نايف التي تحتضن نشاطاً تجارياً واسعاً.

ويضيف الزرعوني أن نايف كانت آخر منطقة مسكونة في دبي، تمتد الصحراء من بعدها، وواحات النخيل، وكان السكان ينتقلون مشياً من منطقة لأخرى لمسافة تستغرق عادة ساعتين أو ثلاثاً، في ظل عدم وجود طرق ممهدة أو وسائل مواصلات، لافتاً إلى أن الرحلة من دبي لأبوظبي كانت تستغرق ثلاث ساعات على الأقل ويتحتم استخدام سيارات لاندروفر رباعية الدفع، لأن الطريق لم تكن ممهدة.

ويتابع أن المجتمع الإماراتي في دبي كان يتسم بالطيبة والتلاحم، وأنه كان يسافر أربع مرات سنوياً إلى الهند لجلب البضائع على متن سفينة بخارية تستغرق عادة من 12 إلى 15 يوماً، وتقف في خمس محطات مختلفة، وكان يقضي شهرين في دبي وشهراً في الهند، إلى أن ظهرت السفن التي تعمل بالديزل فقصرت الفترة الزمنية للرحلة إلى خمسة أيام.

ويتابع الزرعوني أن عائلته كانت وكيلاً لأنواع من الأقمشة والبضائع تجلبها من الخارج وتوزعها إقليمياً في قطر والبحرين والسعودية، ومحلياً في الإمارات، لافتاً إلى أنه قضى 50 عاماً من عمره في ممارسة هذا النشاط التجاري إلى أن قرر التحول إلى الاستثمار العقاري.

ويؤكد أنه لم يكن قراراً سهلاً آنذاك لكن كان الأمر يستلزم قدراً كبيراً من الجهد والطاقة، وعملاً متواصلاً بالنهار، ثم إعداد رسائل بريدية وإرسالها إلى الوكلاء في دول عدة، وفي ظل صعوبة التواصل كان الأمر يستلزم قرابة شهر لتلقي الردود، لافتاً إلى أن مناخ الاستثمار الرائع في دولة الإمارات بشكل عام ودبي على وجه الخصوص هو ما أسهم لاحقاً في تحقيق نهضة عقارية لا مثيل لها، وخلق فرصاً للجميع.

ويقول الزرعوني إن التجارة تدر خيراً كبيراً، وهذا ما ميز دبي منذ القدم، موضحاً أن المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، كان يحب التجار وينصت إليهم ويحل مشكلاتهم، وتمكن خلال زمن وجيز من تحقيق نقلة حضارية واقتصادية بالإمارة، فشق الطرق وجهز الموانئ.

ويضيف: «عندما كنا نسافر إلى الخارج للتجارة كانوا يسألوننا من أين أنتم، وحين نردّ دبي نقابل بالسؤال والاستفسار، والآن حين نسافر ونقول دبي نرصد علامات الانبهار، فقد تحولت الإمارة إلى مقصد حضاري واقتصادي رائد عالمياً، بفضل رجال طيبين أسسوا وطناً آمناً منفتحاً على جميع الثقافات».

ويشير إلى أنه لا ينسى موقفاً حدث له حين استقبل أحد رجال الأعمال وهو وكيل شركة عالمية رائدة في الصناعات الإلكترونية، فطلب هذا الوكيل مقابلة المغفور له الشيخ راشد، طيب الله ثراه، ففوجئ بأن مضيفه يصطحبه إلى الديوان مباشرة، ما أثار دهشة الرجل، وظن أنه يسخر منه في البداية، لكنه انبهر بالاستقبال الطيب، وقال كلمة لا يمكن نسيانها: «أنتم بخير ما دام حاكمكم بهذه الأخلاق».

• «عاصرتُ السفر على متن السفن البخارية وصولاً إلى أفضل المطارات».

• «نايف كانت آخر منطقة مسكونة في دبي، تمتد الصحراء من بعدها، وواحات النخيل».

 


عاشق المساجد

يرتبط محمد عقيل الزرعوني بحالة حب للمساجد، فللأسرة أربعة جوامع كبرى بنتها في إمارة دبي، أقدمها بناه والده، ويخدم منطقة نايف التجارية، والثاني شيد باسم والدته كصدقة جارية عن روحها، فيما بنى بنفسه جامعين كبيرين أولهما في منطقة النهدة، وثانيهما مسجد ند الحمر، ويقول إنه يختار أماكن المساجد بعناية ليعمرها أكبر عدد من سكان الإمارة، وتصل السعة الاستيعابية لجامع النهدة إلى 3000 مصلٍّ، 2500 للرجال و500 للنساء، بالإضافة إلى مركز متطور لتحفيظ القرآن يعمل على مدار 12 ساعة يومياً.

فيما يمثل مسجد ند الحمر تحفة معمارية رائعة، إذ بني على الطراز الحديث، وله قمة سماوية، وجدران زجاجية لإدخال الإضاءة الطبيعية وتقليل الاعتماد على الطاقة الكهربائية، وفق أنظمة البناء المستدامة، وغطيت جدرانه بالرخام، والإنارة الشريطية، ويتسع لنحو 2500 مصل ومصلية، وبه مكتبة متميزة وتقدم فيه الدروس والمحاضرات الإسلامية، معتبراً أن «هذا أفضل ما يمكن أن أخلفه من إرث لسكان مدينتي».

طباعة