قرية مصرية تنتج أكثر من نصف ياسمين العالم

ينمو الياسمين، الذي يعد عنصرا أساسيا في صناعة العديد من العطور، بكثرة حول قرية شبرا بلولة المصرية، التي تساهم بأكثر من نصف إنتاج العالم من الياسمين.

ولا يعرف كثيرون أن أحد المكونات الأساسية في العديد من هذه العلامات التجارية الشهيرة يأتي على الأرجح من قرية صغيرة في مصر.

تقع شبرا بلولة السخاوية (الشهيرة باسم شبرا بلولة) على بُعد حوالي 97 كم شمال العاصمة المصرية القاهرة، وتنتج أكثر من نصف إنتاج العالم من الياسمين. وتنتج هذه الأزهار رائحة أنثوية كلاسيكية تدخل في صناعة العديد من العطور، وهو ما يجعل الياسمين «حجر أساس في صناعة العطور».

 ونقلت هيئة الاذاعة البريطانية «بي بي سي» عن حسين فخري، صاحب مصنع لاستخلاص الياسمين في مصر ورئيس اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للزيوت العطرية وتجارة الروائح: «لقد وصلنا إلى 2500 طن من الأزهار المعالجة سنويًا أو كل موسم، وهو ما يمثل حوالي 60 % من الإنتاج العالمي».

ويضيف فخري، الذي أدخل والده زراعة الياسمين إلى القرية في الخمسينيات من القرن الماضي: «شبرا بلولة لديها أعلى كثافة إنتاج في مصر. خذ بوصلة، وضع نقطة على شبرا بلولة ثم ارسم دائرة نصف قطرها حوالي 30 كم، فهذه هي المنطقة التي يأتي منها الياسمين المصري كله».

وتُزرع معظم أراضي شبرا بلولة، التي تبلغ مساحتها حوالي 257 فدانًا، بالياسمين، في حين تزرع أراض قليلة شجرة عطرية أخرى تسمى البرتقال المر.

وتنقسم حقول الياسمين إلى صفوف، وعندما تتفتح الأزهار في الليل، تنبعث منها رائحة غريبة نفاذة. ويحب القرويون التحدث مع الزوار القلائل الذين يجتازون طرق المدينة غير المعبدة حول الزهور الجميلة التي تحيط بهم، وقد يطلبون منهم حتى المساعدة في عملية قطف الزهور.

وبالنسبة للقرويين، لا يعد الياسمين مجرد زهرة ذات رائحة طيبة فحسب، لكنه يعد مصدر رزقهم الرئيسي. يقول محمد فرج، الذي يعمل في جمع الياسمين: «الجميع في هذه القرية، من أكبر السكان إلى أصغرهم سنا، يعملون في قطف زهور الياسمين. يستيقظ الأطفال، بدءا من سن السابعة، عند الفجر، ويقطفون الياسمين لبضع ساعات ثم يتوجهون إلى المدرسة. وأنا كنت أفعل ذلك منذ أن كنت في التاسعة من عمري».

 

ويُعد حصاد الياسمين، الذي يحدث خلال الفترة من يونيو إلى ديسمبر، عملية رائعة وفريدة من نوعها. فكل يوم قبل غروب الشمس، تبدو حقول الياسمين ورائحتها مثل أي منطقة خضراء أخرى، مع عدد قليل من الأزهار التي تظهر هنا أو هناك. لكن بعد ساعات قليلة فقط، تتفتح البراعم الناضجة تمامًا وينتشر عبيرها عبر الحقول، وكأنها تدعو القرويين للتوجه إلى جمعها في الظلام.

ويجب قطف أزهار الياسمين بعناية، واحدة تلو الأخرى، للحفاظ على زيوتها. يقول فرج: «أثناء عملية قطف الزهور، يتعين علينا أن نوازن بين القطف السريع وفي نفس الوقت عدم الضغط بشدة على الأزهار حتى لا تفقد زيوتها».

ويعتبر قطف الأزهار من شجيرات الياسمين، التي يبلغ ارتفاعها نحو المتر، أمرا شاقا. وفي العديد من المقابلات التلفزيونية، أعرب جامعو الزهور عن إحباطهم بشأن أجورهم المتدنية، وهو الأمر الذي عبر عنه فرج أيضا، قائلا: «قطف الياسمين ليس مجزيًا من الناحية المالية للشباب مثلي؛ فنحن نبحث عن وظائف أخرى ذات عائد مالي أفضل. نحن نقطف الياسمين طوال الليل ثم نبيع ما نقطفه لتاجر الجملة مقابل 30 جنيها مصريا للكيلوغرام الواحد من الأزهار. ويمكن للشخص أن يجمع في المتوسط نحو ثلاثة كيلوغرامات من الأزهار، وهو ما يعني أن إجمالي ما يحصل عليه يصل إلى 90 جنيها مصريا في اليوم، وهذا قليل».

وعلى الرغم من تدني الأجور، يظل قطف الياسمين مصدر دخل رئيسيا لمعظم القرويين، وخاصة النساء وكبار السن، حسب فرج، الذي يقول: «الناس هنا ينتظرون موسم حصاد الياسمين لتغطية التزاماتهم المالية الكبيرة - فهم يحددون مواعيد حفلات الزفاف على أساس موسم الحصاد».

وبدأ حصاد الياسمين في قرية شبرا بلولة في جذب المزيد من الاهتمام الوطني بسبب التغطية الإعلامية، كما بدأت مجموعات سياحية في زيارة القرية، وهو ما فتح الباب أمام مصادر دخل محتملة أخرى للقرويين.

تقول كايرن أيمن الله أشرف، مؤسسة شركة «سول ترافيل» لـ «بي بي سي»: «أزور قرية شبرا بلولة منذ عام 2018، ثم بدأت في تنظيم رحلات صغيرة للأطفال الذين يقومون برحلات تعليمية واستكشافية. لكن في عام 2020، بدأت في تنظيم رحلات السياحة الداخلية».

ويحب الكثيرون من جامعي الثمار وجود السائحين، ويقول فرج: «نشعر بالسعادة عندما يزورنا الناس، ويلتقطون الصور معنا، ونشعر بأن عملنا موضع تقدير من الآخرين».

وفي أوائل العقد الأول من القرن الحالي، طور المصنع المملوك لفخري طريقة باستخدام مذيبات عضوية خالية من البنزين لتلبية احتياجات قطاع العلاج بالروائح. وفي عام 2019، اكتشف المصنع كيفية استخراج الزيت العطري من الياسمين، وهو إنجاز قالت العديد من الأبحاث في هذه الصناعة إنه لا يمكن القيام به.

ويكتسب زيت الياسمين الأساسي المنتج محليًا شعبية متزايدة. وسواء اُستخدم الياسمين القادم من شبرا بلولة في العطور أو في العلاج بالعطور، فإنه يساهم بشكل كبير في العديد من المنتجات العالمية، وفي نفس الوقت يوفر سبل العيش لآلاف القرويين في مصر.

طباعة